تُشير البيانات الميدانية الموثقة منذ بدء التصعيد العسكري الإقليمي الأخير إلى تصاعد حاد وغير مسبوق في وتيرة الاستهداف الأمني للمواطنين الشيعة في البحرين. ولم يعد الأمر يقتصر على ملاحقة الخلايا السياسية، بل امتد ليشمل البنية المجتمعية والدينية عبر استراتيجية "الضربات الوقائية الشاملة".
ووفقاً للإحصاءات المرصودة، تم توثيق المؤشرات التالية:
الاعتقالات التعسفية: احتجاز أكثر من 300 مواطن، بينهم نساء وأطفال، في حملات مداهمة ليلية افتقرت للمسوغات القانونية والمعايير الدولية للمحاكمات العادلة.
استهداف النخبة الدينية: تركزت المداهمات الأمنية على منازل علماء الدين والخطباء، مما يكشف عن رغبة في تجفيف منابع التوجيه الفكري والديني الرافض للسياسات الرسمية.
سلاح إسقاط الجنسية: جرى تفعيل هذه الأداة العقابية بشكل مكثف ليسفر عن تجريد 69 مواطناً من هوياتهم الوطنية، في خطوة تهدف إلى الهندسة الديموغرافية والسياسية، وتفريغ المعارضة من شرعيتها القانونية.
ثانياً: تفكيك الحصانة البرلمانية وتأميم الفضاء العام
لم يكن الفضاء التشريعي بمعزل عن هذا المشروع الأمني؛ إذ شكل إسقاط الجنسية والاعتقال الذي طال 3 نواب في البرلمان البحريني تحولاً نوعياً في علاقة السلطة بالمؤسسات الدستورية.
من الناحية السياسية، تعني هذه الخطوة إلغاءً تاماً لمفهوم "الحصانة البرلمانية" وتحويل المؤسسة التشريعية إلى كيان منزوع الصلاحية النقدية. عندما يعجز ممثلو الشعب المنتخبون عن التعبير عن مواقف قواعدهم الانتخابية تجاه قضايا مصيرية كالحرب الإقليمية أو مشاريع التطبيع، فإن ذلك يوثق علمياً غياب "حد الأدنى" من حرية التعبير البرلماني، ويحول العملية السياسية برمتها إلى واجهة ديكورية لتمرير المقررات الأمنية.
ثالثاً: من القمع المحلي إلى "المشروع الأمني" المشترك
يكمن التطور الأبرز في السلوك التحريري والأمني للمنامة في ربط الحراك الداخلي بالملفات الإقليمية. تشير التحليلات الاستراتيجية إلى أن النظام البحريني قد حوّل آلياته القمعية من "أداة للحفاظ على الاستقرار الداخلي" إلى "وظيفة جيوسياسية" تخدم التحالف (الأمريكي - الصهيوني).
ويمكن قراءة هذا التحول عبر محورين:
تعويض الفشل الميداني: بالتزامن مع الإخفاقات العسكرية واللوجستية التي واجهها التحالف الدولي في مسارح العمليات الإقليمية ضد محور المقاومة، سعت المنامة إلى تقديم ساحتها المحلية كـ "مختبر أمني" لإثبات الكفاءة في محاصرة الحواضن الشعبية المؤيدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
شرعنة الوجود الأجنبي: يوفر التواجد العسكري الأمريكي المباشر في القواعد البحرينية غطاءً سياسياً وعسكرياً للنظام، وفي المقابل، يلتزم النظام بتأمين هذا الوجود عبر سحق أي صوت شعبي يعارض استخدام الأراضي والمياه البحرينية كمنطلق للعمليات العدوانية في المنطقة.
رابعاً: استهداف الهوية الثقافية والدينية (حصار الحوزات والمواكب)
لم تقتصر الإجراءات الأخيرة على البُعد السياسي، بل تعدته إلى محاولة تفكيك الرموز الثقافية والدينية التي تمنح المجتمع قدرته على الصمود والتعبير.
وقد رصدت التقارير الحقوقية ممارسات تعسفية ممنهجة شملت:
مداهمة المدارس الدينية والحوزات العلمية وفرض قيود صارمة على المناهج والطلاب.
التضييق على المفاصل الإدارية والشرائح التنظيمية للمواكب الحسينية، وتحويل المناسبات الدينية إلى مساحات مراقبة أمنياً بشكل مكثف.
هذا السلوك يعكس "ضيق صدر" النظام البنيوي؛ حيث بات يرى في التجمعات الدينية والرموز التقليدية تهديداً وجودياً، خصوصاً عندما تتحول هذه المناسبات إلى منابر عفوية لرفض مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني أو لتأكيد التضامن مع القضايا المبدئية للأمة.
خامساً: النفاق الدولي وازدواجية المعايير
في الوقت الذي ترفع فيه العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، شعارات حماية حقوق الإنسان والحريات المدنية، يكشف الصمت الدولي المطبق تجاه ما يحدث في سجون البحرين من تعذيب وتنكيل بالناشطين عن حجم ازدواجية المعايير.
إن هذا التغاضي الممنهج من قبل الإدارة الأمريكية والمنظمات الدولية الحليفة لها ليس مجرد "غفلة دبلوماسية"، بل هو تواطؤ مدروس يضمن عدم إزعاج الحليف البحريني الذي يقدم خدمات لوجستية واستراتيجية هامة في وقت الحرب. تدرك المنامة هذه المعادلة جيداً، وتستغلها كصك غفران دولي يتيح لها المضي قدماً في تصفية المعارضة الداخلية دون خشية من عقوبات أو إدانات دولية مؤثرة.
خلاصة واستنتاج
إن تحول المنامة من القمع الداخلي التقليدي إلى إدارة "مشروع أمني برعاية دولية" يثبت أن النظام البحريني قد ربط مصيره العضوي بالكامل بالاستراتيجية الأمريكية-الصهيونية في المنطقة. ومع ذلك، فإن القراءة التاريخية والاجتماعية تؤكد أن الإفراط في الاعتماد على القبضة الأمنية وتدويل القمع، مع تجاهل الحقوق الأصيلة للمواطنين، لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والشعب، وتحويل الاستقرار الظاهري إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار عند أول تغير في موازين القوى الإقليمية.