0
الثلاثاء 19 أيار 2026 ساعة 14:24

كيف تُهندس المنامة استراتيجية الخنق الشامل للإعلام والمعارضة؟

كيف تُهندس المنامة استراتيجية الخنق الشامل للإعلام والمعارضة؟
ولم تكتفِ السلطات بإغلاق الصحف المستقلة الكبرى، وعلى رأسها صحيفة "الوسط" التي كانت تُمثل المتنفس الأخير للصحافة الحرة قبل تصفيتها قسراً، بل امتدت الحرب لتشمل الصحافة الرقمية والبديلة عبر فرض حجب تقني شامل على عشرات المواقع الإلكترونية والمدونات التي تُدار من الخارج أو من قِبل نشطاء في الداخل، بالتوازي مع التضييق على مراسلي الوكالات الدولية وتأخير تجديد اعتماداتهم أو إجبارهم على توقيع تعهدات بعدم التطرق لملفات سياسية وحقوقية حساسة.

ومع غياب المنابر التقليدية، تحول الفضاء الافتراضي، لا سيما منصتي "إكس" وإنستغرام، إلى ساحة المعركة الرئيسية، حيث استحدثت المنامة ترسانة قانونية فضفاضة أبرزها قانون مكافحة الجرائم التقنية لشرعنة الملاحقات القضائية وتوصيف النوايا؛ فباتت تغريدة واحدة تنتقد الأوضاع الاقتصادية، أو سياسة التطبيع، أو تدعو للإفراج عن سجناء الرأي، كافية لتوجيه تهم ثقيلة مثل بث إشاعات مغرضة، وإهانة هيئات نظامية، أو تهديد السلم الأهلي.

وقد أدت هذه الأحكام القاسية بالسجن والغرامات المالية الباهظة ضد مغردين ونشطاء عاديين إلى تفشي ظاهرة الرقابة الذاتية القسرية، حيث آثر الكثيرون الصمت خوفاً من الملاحقة الأمنية التي طالت حتى خاصية إعادة التغريد أو الإعجاب.

وتزامنت هندسة كم الأفواه الإعلامية مع إغلاق الفضاء السياسي بالكامل عبر حل كبرى جمعيات المعارضة، مثل جمعية "الوفاق" الوطني الإسلامية وجمعية "وعد" العلمانية، ومصادرة أصولهما، ثم إتباع ذلك بإصدار تشريعات العزل السياسي التي تمنع أعضاء هذه الجمعيات المنحلة من الترشح للانتخابات النيابية أو حتى العضوية في مجالس إدارة الأندية الرياضية والجمعيات الأهلية، مما عزل شريحة واسعة من المجتمع سياسياً وإعلامياً.

ولم يسلم النشطاء والبحرينيون في المنفى من هذه السياسة، إذ وظفت السلطات أدوات تقنية متطورة مثل برمجيات التجسس لاختراق هواتف المعارضين والصحفيين في الخارج، إلى جانب استخدام إسقاط الجنسية كأداة عقاب سياسي،والضغط على عائلاتهم المقيمة في الداخل لإجبارهم على التوقف عن نشاطهم الإعلامي.

وتُظهر القراءة التحليلية للمشهد البحريني الحالي أن السلطات نجحت في فرض صمت تام على الصعيد الداخلي، مستفيدة من التوازنات الإقليمية والدعم الدولي، إلا أن هذا التجفيف الكامل لمنابر التعبير يرى فيه محللون بيئة هشة، إذ إن كبت المظالم السياسية والحقوقية دون وجود قنوات شرعية للتنفيس والتعبير، يحول هذا الاستقرار الظاهري إلى حالة محفوفة بالمخاطر وقابلة للاشتعال عند أي منعطف سياسي أو اقتصادي قادم.
رقم : 1281010
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم