لقد نجحت القضية الفلسطينية في توفير غطاء شرعي كسر حظر التظاهر شبه الكلي الذي فرضته السلطات على مدى ما يقارب العقد من الزمن في العاصمة المنامة والبلدات المحيطة بها. وأمام المشاهد الدامية القادمة من غزة، وجدت السلطات البحرينية نفسها في موقف محرج يمنعها من الحظر المطلق لمشاعر التعاطف الإنساني والقومي التي تمثل مقدسات تاريخية لدى كافة مكونات الشعب البحريني من مختلف الطوائف والمشارب السياسية.
هذا الهامش المتاح سرعان ما تحول إلى قنوات للتعبير عن المظالم الداخلية المطالبة بالإصلاح السياسي الشامل؛ حيث تداخلت الهتافات المنددة بالمجازر الإسرائيلية مع المطالب المحلية بضرورة إطلاق سراح القادة السياسيين المعتقلين، وإسقاط اتفاقيات "أبراهام" للتطبيع، مما أعاد الزخم للحراك الشعبي في مناطق مثل الدراز والمحرق والمنامة.
وفي هذا السياق، مثّل ملف التطبيع الثغرة الأبرز التي نفذت منها المعارضة لإعادة إثبات شرعيتها السياسية والشعبية، وتوسيع الفجوة بين التوجهات الرسمية والإرادة الشعبية. وبينما كانت السلطة تعتبر التطبيع خياراً استراتيجياً والتزاماً إقليمياً، أظهرت المواقف المشتركة للقوى السياسية والمجتمعية انقساماً حاداً, إذ لم يقتصر رفض هذا المسار على فصيل سياسي أو طائفي بعينه، بل امتد ليشمل مجالس ووجهاء ومكونات اجتماعية وتاريخية بارزة، مما أكد أن معارضة السياسات الرسمية أصبحت تعبر عن إجماع وطني عابر للاصطفافات التقليدية، يحركه الإيمان بأن الشعوب لا يمكن أن تتماهى مع خطوات تفصلها عن قضاياها المركزية.
أمام هذا الانتعاش غير المتوقع للمعارضة، لم تقف السلطات الأمنية مكتوفة الأيدي، بل واجهت هذا المد بموجات توقيف واستدعاءات واسعة شملت نشطاء بارزين وقادة رأي، مستخدمة الغازات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، بالإضافة إلى إعادة توقيف شخصيات معارضة وازنة مثل القيادي اليساري إبراهيم الشريف بسبب انتقاده للسياسات الرسمية.
وترافق هذا الضغط الميداني مع محاولات رسمية لتطويق الحراك عبر استدعاء تهمة "الولاء للخارج" وتوجيه تحذيرات صارمة للمآتم والمساجد لمنع استيراد الرموز الإقليمية، وهو ما اعتبرته المعارضة مسعى حكومياً لربط أي حراك ديمقراطي محلي بأجندات إقليمية لتبرير قمعه وسلب الحراك مشروعيته الوطنية.
ولم ينفصل هذا الانتعاش السياسي للمعارضة عن الواقع المعيشي والاقتصادي للبحرينيين؛ بل تزامنت التوترات الإقليمية مع تحديات داخلية متفاقمة تتعلق بالبطالة وفاتورة الإصلاح المالي، وهو ما استثمرته المعارضة بذكاء بربط تكلفة المشاريع الأمنية والاتفاقيات الخارجية بالأزمات الاقتصادية للمواطن، مما جعل الحراك مرناً وقادراً على الحشد تحت شعارات معيشية وسياسية موحدة.
إن حرب غزة وتداعياتها الإقليمية لم تخلق معارضة جديدة في البحرين، بل أعادت الروح لحركتها الكامنة، ووفرت لها الشرعية الأخلاقية والوطنية لتجاوز جدران الصمت المفروضة عليها منذ سنوات، لتثبت أحداث الأعوام الأخيرة أن المشهد الداخلي البحريني لا يزال يحمل جمراً تحت الرماد، وأن أي اهتزاز في البيئة الإقليمية يعيد طرح الأسئلة الجوهرية ذاتها حول الإصلاح، والمشاركة السياسية، والسيادة الوطنية، مما يجعل محاولات هندسة المشهد السياسي من طرف واحد خياراً مؤقتاً لا يضمن الاستقرار على المدى الطويل.