أصبح الإصرار المتواصل على نفي وجود التمييز أو الاستهداف في حدّ ذاته عاملًا يدفع إلى التشكيك في الرواية الرسمية. فالدولة التي تتعامل مع جميع مواطنيها على قدم المساواة لا تحتاج إلى حملات إعلامية يومية لإثبات ذلك، كما أن السلطة الواثقة من عدالة سياساتها لا تضطر إلى تسخير منابرها وصحفها بصورة دائمة للدفاع عن نفسها عبر شهادات جاهزة وأصوات تفتقر إلى التأثير الحقيقي في الشارع.
وفي هذا السياق، يبدو المشهد الإعلامي في البحرين وكأنه حالة دفاع مستمرة؛ خطاب متكرر، ورسائل موحّدة، وضيوف معروف مسبقًا مضمون مواقفهم، وحسابات تتولى إعادة تدوير الرواية ذاتها. في المقابل، يغيب صوت المواطن الشيعي الذي يعيش تداعيات السياسات والإجراءات التي يصفها كثيرون بأنها تمس حقوقه الدينية والاجتماعية والسياسية، فلا يُفسح له المجال للتعبير عن تجربته أو نقل معاناته، بينما يُطلب منه الاكتفاء بتلقي الرواية الرسمية كما هي.
ومن أبرز مظاهر هذه الحملة الاعتماد المتكرر على شخصيات شيعية محدودة الحضور الشعبي، يتم استحضارها عند الحاجة لتقديم صورة توحي بعدم وجود أزمة أو تمييز. وتُطرح هذه الشخصيات وكأنها دليل قاطع على سلامة الواقع، في محاولة لاختزال قضية معقدة ومتجذرة في شهادات فردية تُستخدم لتبرئة السلطة من الانتقادات الموجهة إليها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كانت السلطات مقتنعة فعلًا بعدم وجود استهداف أو تمييز، فلماذا هذا الحضور الكثيف للخطاب الدفاعي؟ ولماذا الحاجة المستمرة إلى إنتاج محتوى إعلامي يهدف إلى نفي الاتهامات وتقديم شهود من داخل الطائفة نفسها؟ فالجهة الواثقة من موقفها لا تجد نفسها مضطرة إلى تكرار الدفاع عن ذاتها بصورة يومية.
في الواقع، لا تبدو هذه الرسائل موجهة إلى أبناء الطائفة الشيعية بقدر ما تستهدف الرأي العام الخارجي، في محاولة لتحسين صورة السلطة وإبراز البحرين بوصفها نموذجًا للانسجام الطائفي. غير أن هذه الصورة تصطدم بما يراه المنتقدون من وقائع وممارسات على الأرض تختلف عن الخطاب الإعلامي المروّج لها.
وفي النهاية، قد تنجح الحملات الدعائية في التأثير لفترة محدودة، لكنها تبقى عاجزة عن تجاوز التجارب المعيشية للناس. فالمشكلة لا تكمن فقط في نفي الاتهامات، بل في افتراض أن الجمهور يمكن أن يتجاهل ما يراه ويعيشه لمجرد ظهور مقابلة صحفية أو انتشار منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ إن العدالة والمساواة الحقيقية تُقاسان بالواقع والممارسة، لا بالخطابات الإعلامية أو الشهادات المعدّة مسبقًا.