0
السبت 30 أيار 2026 ساعة 13:35

لبنان بين مسارين: تفاوض سياسي ومواجهة عسكرية.. والجنوب عالق بين التهدئة والانفجار

لبنان بين مسارين: تفاوض سياسي ومواجهة عسكرية.. والجنوب عالق بين التهدئة والانفجار
يبرز اليوم سؤال أساسي لا يقتصر على أسباب انخراط إسرائيل في التفاوض رغم تقدمها الميداني، بل يمتد إلى جوهر ما يجري التفاوض حوله فعلياً، في وقت تجاوز فيه التوغل الإسرائيلي خطوطاً كانت تُعد سابقاً من المحظورات، فيما تواصل مسيّرات حزب الله تهديد المستوطنات الشمالية، غير آبهة بالضربات الإسرائيلية المتصاعدة التي وصلت أمس، للمرة الأولى منذ إعلان آخر هدنة، إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. وبذلك تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: الوقائع الحاسمة لا تُصنع داخل قاعات التفاوض، بل على الأرض وتحت وقع العمليات العسكرية.

ويبقى التساؤل المطروح: هل ستنجح المفاوضات في تحقيق اختراق فعلي؟ ومن يسبق الآخر في رسم النتائج النهائية، المسار العسكري أم السياسي؟
يرى العميد المتقاعد حسن جوني أن العلاقة بين الميدان والتفاوض عضوية ولا يمكن الفصل بينهما، معتبراً أن المفاوضات العسكرية تعكس توجهاً أميركياً نحو إيجاد إطار تنسيقي بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي تمهيداً لتطبيق ترتيبات ميدانية محددة.

ويشير إلى وجود تقاطع في الأهداف بين الدولة اللبنانية وإسرائيل في ما يتعلق بمسألة سلاح حزب الله، مستشهداً بمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون وبيان الحكومة اللذين شددا على حصرية السلاح بيد الدولة واعتبرا الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب خارج إطار الشرعية.

لكن جوني يلفت إلى أن الاتفاق على الهدف لا يعني الاتفاق على الوسيلة. فالدولة اللبنانية تنظر إلى معالجة ملف السلاح من منظور استراتيجية الأمن الوطني وإعادة تجميع عناصر القوة تحت سلطة الدولة، عبر التنسيق مع حزب الله وفي إطار ترتيبات داخلية. أما إسرائيل، فتنطلق من مقاربة مختلفة تقوم على نزع سلاح الحزب بالكامل وإزالة أي قدرة يمكن أن تشكل تهديداً لأمنها، ضمن عقيدة أمنية جديدة تقوم على "المنع" بدلاً من "الردع"، وهو ما تطبقه في لبنان وسوريا وغزة على حد سواء.

وعن المفاوضات العسكرية المرتقبة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، يؤكد جوني أن لبنان يقف أمام خيارين أساسيين: إما التمسك بمطلب وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي أولاً، تمهيداً لتطبيق خطة الدولة بشأن حصر السلاح، أو الانخراط في مقاربة أميركية تقوم على تنسيق أمني بين الجيشين وإقامة آليات مشتركة تستهدف إنهاء البنية العسكرية لحزب الله قبل البحث في ترتيبات الانسحاب والتفاهمات الأمنية اللاحقة.

ويضيف أن المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تزال ترفض الدخول في أي صيغة شراكة من هذا النوع، خصوصاً أن حزب الله أعلن بوضوح أنه سيتعامل مع أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة على أنها عمل إسرائيلي مباشر، ما يضع البلاد أمام مرحلة شديدة الحساسية.

وفي ما يتعلق بالضغوط الخارجية، يحذر جوني من أن لبنان الرسمي والجيش اللبناني يواجهان ضغوطاً أميركية وإسرائيلية متزايدة، قد تتعاظم إذا ارتفعت في الداخل الأصوات المطالبة بحسم ملف الحزب بالقوة العسكرية، على خلفية الخسائر والأزمات التي يعيشها لبنان.

أما مستقبل سلاح حزب الله، فيربطه جوني بمآلات التفاوض الأميركي ـ الإيراني، معتبراً أن الحزب يمثل إحدى أوراق القوة الأساسية لدى طهران، وأن أي تسوية تتعلق بسلاحه ستكون مرتبطة بمقابل سياسي أو اقتصادي أو استراتيجي تحصل عليه إيران في إطار أي اتفاق محتمل مع واشنطن.

وفي الحسابات الإسرائيلية، لا يبدو أن هناك تناقضاً بين التفاوض والتصعيد العسكري، إذ تتحول الحرب نفسها إلى أداة ضغط تفاوضية، فيما تصبح المفاوضات امتداداً للمعركة بوسائل مختلفة. فالغاية ليست الوصول السريع إلى تسوية، بل فرض شروط أفضل قبل أي اتفاق محتمل.

في المقابل، يبقى للمسار السياسي دوره الحاسم رغم بطئه الظاهر. فالقوة العسكرية قد تفرض معادلات ميدانية جديدة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج استقرار دائم. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الإنجازات العسكرية التي لا تُترجم إلى تفاهمات سياسية تبقى عرضة للاهتزاز والانفجار مجدداً. ومن هنا، فإن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تبقى بحاجة إلى مظلة سياسية ودولية تضمن استدامة أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد في جنوب لبنان.
رقم : 1282863
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم