0
الأربعاء 3 حزيران 2026 ساعة 10:24

حرب الحدود والذاكرة.. إسرائيل تفتح جبهة الماضي في جنوب لبنان

حرب الحدود والذاكرة.. إسرائيل تفتح جبهة الماضي في جنوب لبنان
سلّطت صحيفتا "لاكروا" و"أوريان 21" الضوء على أبعاد مختلفة للحرب الدائرة في جنوب لبنان؛ إذ ركّزت الأولى على انعكاساتها العميقة على التراث الثقافي والذاكرة الجماعية للسكان، بينما تناولت الثانية الخلفيات التاريخية للصراع، معتبرة أن الاهتمام الإسرائيلي بالجنوب اللبناني يعود إلى عقود طويلة، منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، نظراً للأهمية الإستراتيجية والاقتصادية التي تمثلها منطقة الليطاني ومحيطها.

وفي تقرير أعدّته مراسلتها في بيروت جيني لافون، تناولت "لاكروا" حجم الأضرار التي لحقت بالموروث الثقافي في الجنوب اللبناني، مشيرة إلى أن الخسائر لا تقتصر على تدمير الأبنية والمواقع الأثرية، بل تطال أيضاً الذاكرة التاريخية والاجتماعية للمنطقة، بما تحمله من رموز وهوية متجذرة.

وأشارت الصحيفة إلى أن القصف الإسرائيلي طال مواقع تاريخية بارزة، من بينها مدينة صور الأثرية وقلعتا الشقيف وشمعا، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف بشأن مصير إرث حضاري تراكم عبر قرون. كما نقلت تحذيرات مختصين ومسؤولين في قطاع الآثار من احتمال تعرض مواقع تاريخية محمية لأضرار جسيمة يصعب تعويضها.

ولفت التقرير إلى أن تداعيات الحرب تجاوزت المعالم الأثرية، إذ طالت عشرات القرى الجنوبية بما تضمه من منازل ومدارس ودور عبادة ومقابر، فضلاً عن الأضرار التي أصابت المشهد الزراعي التقليدي المتمثل ببساتين الزيتون وكروم العنب وحقول التبغ. ويرى خبراء أن هذه الخسائر تهدد مكونات أساسية من التراث الحي والهوية المتوارثة لسكان الجنوب.

وفي سياق إبراز البعد الإنساني للمأساة، استعرضت الكاتبة قصة سعد الزين من بلدة كفررمان، الذي خسر منزله العائلي المشيد عام 1945، بما احتواه من وثائق ومقتنيات وقطع تراثية مرتبطة بتاريخ جبل عامل. ويؤكد الزين أن خسارته تجاوزت حدود فقدان منزل، لتطال ذاكرة شخصية وعائلية ارتبطت بالمكان على مدى عقود.

ورغم حجم الدمار، ينقل التقرير جانباً من الأمل عبر تمسك الزين بفكرة إعادة بناء المنزل وتحويله إلى متحف يوثق تاريخ المنطقة، داعياً أبناء الجنوب إلى المساهمة بصورهم ومقتنياتهم وذكرياتهم للحفاظ على الذاكرة الجماعية واستعادة ما أتت عليه الحرب.

وبذلك، ترسم "لاكروا" صورة لصراع يتجاوز الأبعاد العسكرية والجغرافية، ليطال الذاكرة والهوية والتراث الثقافي لسكان الجنوب اللبناني.

في المقابل، ترى الباحثة ليان أجاكا ديب عوادا، في مقال نشره موقع "أوريان 21"، أن التطورات الحالية في جنوب لبنان لا يمكن فصلها عن مسار تاريخي طويل من الصراع بدأ مع قيام إسرائيل عام 1948.

وتعتبر الكاتبة أن منطقة جبل عامل شكّلت على الدوام هدفاً إستراتيجياً لإسرائيل، بفعل موقعها الجغرافي ومواردها المائية، ولا سيما نهر الليطاني، إضافة إلى المرتفعات المطلة على الجليل والجولان. كما يستعرض المقال جذور هذا الاهتمام منذ بدايات الحركة الصهيونية التي نظرت إلى مياه الليطاني باعتبارها مورداً مهماً لمشاريعها التنموية والزراعية، إلى جانب الأهمية العسكرية للمرتفعات الجنوبية اللبنانية.

ويشير المقال إلى أن الجنوب اللبناني استقبل موجات من اللاجئين الفلسطينيين عقب النكبة، قبل أن يشهد أولى عمليات التوغل والاحتلال الإسرائيلي في أواخر أربعينيات القرن الماضي. ومع تنامي نشاط المقاومة الفلسطينية خلال الخمسينيات والستينيات، تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهات متواصلة، تعرضت خلالها لغارات وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة.

كما يتناول المقال مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية، حيث استفادت إسرائيل من الانقسامات الداخلية ودعمت مجموعات محلية متحالفة معها، قبل أن تنفذ اجتياحيها للبنان عامي 1978 و1982، وصولاً إلى العاصمة بيروت.

ويتوقف المقال عند فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب التي امتدت 22 عاماً، وما شهدته من إنشاء معتقلات مثل أنصار والخيام، وانتشار الاعتقالات والتعذيب والإجراءات الأمنية المشددة، إضافة إلى ما عاناه السكان من عزلة وتهميش واستمرار المواجهات العسكرية.

ويرى المقال أن التحرير عام 2000 شكّل منعطفاً تاريخياً مهماً، مع انتهاء الاحتلال الإسرائيلي وصعود حزب الله بوصفه القوة الرئيسية التي قادت المقاومة في سنواتها الأخيرة، إلا أن الجنوب خرج من تلك المرحلة مثقلاً بالخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية.

كما يسلط الضوء على التداعيات الممتدة للحروب والاحتلال، ومنها انتشار مئات آلاف الألغام، وتضرر الأراضي الزراعية والبنى التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، ما دفع شريحة واسعة من السكان إلى الاعتماد على زراعة التبغ كمصدر رئيسي للرزق.

وتشير الكاتبة إلى أن هذه التحديات تفاقمت بعد حرب عام 2006 التي خلفت دماراً واسعاً وخسائر كبيرة، ورغم جهود إعادة الإعمار واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية تدريجياً، فإن الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل جنوب لبنان وسبل السيطرة الأمنية عليه ظل قائماً.

ويخلص المقال إلى أن ما شهده جنوب لبنان منذ عام 1948 وحتى اليوم يمثل سلسلة متصلة من الحروب والصراعات والاحتلالات التي تركت آثاراً عميقة على السكان والأرض والبنية الاجتماعية، وأن المنطقة ما تزال تدفع ثمن موقعها الجغرافي وأهميتها الإستراتيجية.
رقم : 1283642
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم