تظهر المعطيات المتداولة أن هناك محاولات دبلوماسية جرت برعاية أطراف دولية وإقليمية، تضمنت البحث في ترتيبات أمنية وانسحابات متبادلة من مناطق جنوب الليطاني والشقيف، ضمن إطار تفاهمات يعتقد أن وسطاء إقليميين، وفي مقدمتهم قطر، يشاركون في صياغتها. غير أن هذه المساعي اصطدمت باستمرار العمليات العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الوسطاء على فرض التزامات عملية على الأطراف المعنية.
ويرتبط هذا المشهد ارتباطا وثيقا بملف المفاوضات الأميركية الإيرانية، الذي يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم التطورات الجارية. فالتوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران قد ينعكس إيجابا على مختلف ساحات التوتر في المنطقة، بينما يؤدي تعثر المفاوضات إلى زيادة احتمالات التصعيد. ومن هذا المنطلق، تبدو التحركات الدبلوماسية جزءا من محاولة أوسع لإدارة الصراع الإقليمي ومنع انزلاقه نحو مواجهة شاملة.
في المقابل، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، معادلة سياسية معقدة. فاستمرار الحرب يمنحه هامشا للمناورة السياسية داخليا، في حين أن إنهاءها قد يفتح الباب أمام تحديات سياسية وقانونية تهدد مستقبله السياسي. لذلك يرى بعض المراقبين أن نتنياهو قد يسعى إلى تأجيل أي تسوية نهائية أو إعادة صياغتها بطريقة لا تظهره بمظهر المتراجع أمام الضغوط الداخلية والخارجية.
أما إيران، فتربط موقفها بمستوى التصعيد الإسرائيلي، وتلوح بإمكانية العودة إلى الرد المباشر إذا استمرت العمليات العسكرية ضد حلفائها أو مصالحها الإقليمية. ويعني ذلك أن أي فشل في تثبيت التهدئة قد يدفع المنطقة مجددا إلى دوامة التصعيد المتبادل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اتساع رقعة المواجهة.
وفي خضم هذه التطورات، يجد الرئيس الأميركي نفسه أمام خيارات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية مع الحسابات الانتخابية والاقتصادية. فمن جهة، تمثل العلاقة مع إسرائيل عنصرا مهما في السياسة الأميركية، ومن جهة أخرى تبرز المصالح الاقتصادية المحتملة المرتبطة بأي انفتاح مستقبلي على السوق الإيرانية، بما في ذلك مشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات الكبرى في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والنقل.
وتستحضر هذه الحسابات تجربة ما قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، عندما كانت إيران قد أبرمت صفقات اقتصادية كبيرة مع شركات غربية، من بينها عقود لشراء عشرات الطائرات المدنية من شركة Boeing وهو ما يعكس حجم الفرص الاقتصادية التي قد تنشأ في حال عودة مسار التطبيع الاقتصادي بين إيران والغرب.
ختاما، تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في إنتاج تسوية شاملة تمتد آثارها إلى مختلف الجبهات المشتعلة، وإما أن يؤدي فشل المفاوضات إلى موجة جديدة من التصعيد الإقليمي. وبين هذين الاحتمالين، يبقى مستقبل الأحداث مرهونا بقدرة القوى الدولية والإقليمية على تغليب منطق التسويات على حسابات المواجهة والصراع.
استنادا إلى مجمل المؤشرات السياسية والعسكرية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من التصعيد المنضبط أكثر من توجهها نحو حرب شاملة أو سلام شامل. فالأطراف الرئيسية، سواء الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل، تدرك أن الانفجار الإقليمي الواسع يحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة لتقديم التنازلات الكافية لإنتاج تسوية نهائية.
يستند هذا التقدير إلى استمرار المفاوضات الأميركية الإيرانية رغم التوترات، وإلى حرص واشنطن على منع توسع الحرب، مقابل حاجة الحكومة الإسرائيلية إلى الإبقاء على مستوى من التصعيد يخدم حساباتها الداخلية.
وعليه، فإن مستقبل المنطقة خلال المرحلة المقبلة سيحسم بمدى قدرة الأطراف المتصارعة على تحويل التفاهمات السياسية إلى اتفاقات ملزمة، وإلا فإن خطر اتساع المواجهة سيبقى قائما وإن كان ضمن حدود محسوبة، ويبقى المسار الأكثر احتمالا هو استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية غير المباشرة على إيران، مع محاولة تجنب حرب شاملة ما لم تفرض التطورات الميدانية واقعا مختلفا.