وتُعد البلدات الحدودية مثل كفركلا، والعديسة، وعيتا الشعب، ومارون الراس، والخيام، وبنت جبيل، من أكثر المناطق تضرراً. فقد تعرضت أحياء كاملة فيها للتدمير أو لأضرار جسيمة نتيجة الغارات والقصف، ما جعل عودة عدد كبير من السكان إلى منازلهم أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً مع استمرار وجود أبنية غير صالحة للسكن، إضافة إلى المخاطر الناجمة عن الذخائر غير المنفجرة.
ولم تقتصر الخسائر على المساكن، إذ لحقت أضرار واسعة بالبنية التحتية، بما في ذلك الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات. كما تعرضت مدارس ومراكز صحية ومبانٍ خدمية للتدمير أو لأضرار كبيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الحياة اليومية للسكان وأعاق استئناف الخدمات الأساسية في العديد من البلدات.
أما القطاع الزراعي، الذي يشكل مصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات في الجنوب، فقد تكبد خسائر كبيرة. فقد دُمرت مساحات واسعة من بساتين الزيتون والحمضيات، واحترقت أراضٍ مزروعة بالتبغ، كما تضررت مزارع ومواشٍ، ما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين الذين يعتمدون على هذه المحاصيل لتأمين معيشتهم.
وعلى الصعيد الإنساني، دفعت الحرب مئات آلاف اللبنانيين إلى النزوح عن منازلهم، واضطرت عائلات كثيرة إلى الإقامة في مدارس أو مراكز إيواء أو لدى أقاربها في مناطق أخرى. ورغم عودة قسم من النازحين بعد تراجع حدة المواجهات، لا يزال كثيرون عاجزين عن العودة بسبب الدمار الكبير أو استمرار المخاوف الأمنية.
كما امتدت الأضرار إلى المواقع التاريخية والدينية، حيث تعرض عدد من المعالم الأثرية في الجنوب لأضرار متفاوتة، ما أثار مخاوف بشأن الحفاظ على الإرث الثقافي للمنطقة، الذي يشكل جزءاً مهماً من هوية لبنان وتاريخه.
وتشير تقديرات أولية إلى أن كلفة إعادة الإعمار ستبلغ مليارات الدولارات، في وقت تعاني فيه الدولة اللبنانية من أزمة مالية غير مسبوقة، ما يجعل تأمين التمويل تحدياً كبيراً. وتؤكد جهات رسمية ودولية أن عملية إعادة البناء لن تقتصر على تشييد المنازل، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل البنية التحتية، وإحياء الاقتصاد المحلي، ودعم الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
وبين أنقاض المنازل وحقول الزيتون المحترقة، يحاول أبناء الجنوب استعادة حياتهم تدريجياً، لكن الطريق لا يزال طويلاً. فإعادة إعمار الحجر تبدو ممكنة مع توافر الإمكانات، أما إعادة ترميم آثار الحرب في نفوس الناس واستعادة الاستقرار الكامل، فقد تحتاج إلى سنوات من العمل والدعم، لتعود قرى الجنوب إلى ما كانت عليه قبل أن تترك الحرب بصمتها القاسية على كل تفاصيل الحياة فيها