ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أن مواقف الشيباني خلال الزيارة جاءت منسجمة مع الخطاب الذي يتبناه الرئيس السوري أحمد الشرع منذ توليه السلطة. فالشرع شدد في أكثر من مناسبة على أن سوريا لا ترغب في تصدير أزماتها إلى لبنان، ولا في استعادة نمط العلاقة الذي كان قائماً في العقود الماضية، بل تريد علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي السياق نفسه، أكد الشيباني من بيروت أن بلاده منفتحة على الحوار مع مختلف القوى اللبنانية، مشيراً إلى أن اللقاء مع “حزب الله” ليس أمراً مرفوضاً إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك، مع التشديد على أن الأولوية اليوم هي تعزيز التعاون بين الحكومتين السورية واللبنانية. ويعكس هذا الموقف استمراراً للرؤية التي طرحها أحمد الشرع، والتي تقوم على الحوار بدلاً من القطيعة، وعلى إدارة الخلافات سياسياً لا عبر التصعيد.
كما حملت لقاءات الشيباني مع الرؤساء الثلاثة رسائل تتعلق بفتح صفحة جديدة في الملفات العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وعودة النازحين، وتطوير العلاقات الاقتصادية. وهي ملفات يدرك الطرفان أنها لا يمكن أن تبقى رهينة الخلافات السياسية، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها سوريا ولبنان معاً.
أما لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، فحمل دلالة خاصة، إذ يعكس حرص دمشق على التواصل مع مختلف المكونات السياسية اللبنانية، وعدم حصر العلاقة بطرف دون آخر. وفي المقابل، فإن زيارة طرابلس بدت رسالة إلى الشارع اللبناني بأن سوريا تسعى إلى تجاوز إرث السنوات الماضية، والانفتاح على مناطق لطالما شهدت توتراً في علاقتها مع النظام السوري السابق.
سياسياً، يمكن اعتبار هذه الزيارة اختباراً عملياً للنهج الذي يطرحه أحمد الشرع منذ أشهر. فالرئيس السوري يتحدث عن سياسة خارجية تقوم على الانفتاح والتعاون الإقليمي، فيما جاء الشيباني ليحاول ترجمة هذا الخطاب إلى خطوات ميدانية، تبدأ بإعادة بناء الثقة مع لبنان، باعتباره الجار الأكثر ارتباطاً بسوريا على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ورغم أن الملفات الخلافية بين البلدين لا تزال كثيرة، فإن الطريقة التي أُديرت بها الزيارة توحي بأن دمشق تحاول الانتقال من مرحلة الرسائل السياسية إلى مرحلة التفاهمات العملية. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الحكومتين على استثمار هذا الانفتاح في معالجة القضايا المشتركة، بعيداً عن إرث الماضي وحسابات الاستقطاب الإقليمي.
وفي المحصلة، تبدو زيارة أسعد الشيباني أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي؛ فهي تمثل أول اختبار فعلي لسياسة أحمد الشرع تجاه لبنان، ورسالة بأن دمشق تريد علاقة جديدة مع بيروت، عنوانها الحوار، والتعاون بين الدولتين، والانفتاح على جميع المكونات اللبنانية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها