وشهدت العاصمة طهران حضور وفود رسمية من روسيا والصين والعراق وباكستان والهند، إلى جانب مسؤولين وشخصيات من دول أخرى، بينما غابت معظم الدول الغربية عن المشاركة الرسمية، في مشهد عكس طبيعة التحالفات التي بنتها إيران خلال العقود الماضية. وبحسب السلطات الإيرانية، تلقت طهران طلبات مشاركة من أكثر من 30 دولة، فيما أشارت تقارير أخرى إلى دعوات ووفود من عشرات الدول.
ويرى مراقبون أن مشاركة روسيا حملت دلالة تتجاوز مراسم العزاء، إذ تعكس استمرار الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران، خاصة في الملفات العسكرية والإقليمية. وخلال السنوات الأخيرة، عزز البلدان تعاونهما في مجالات الدفاع والطاقة والتنسيق السياسي، لذلك جاءت المشاركة الروسية لتؤكد أن العلاقات الثنائية ستستمر رغم التغييرات التي تشهدها القيادة الإيرانية.
أما الصين، فقد أوفدت ممثلًا رفيع المستوى، في خطوة فسّرها محللون على أنها تأكيد على تمسك بكين بشراكتها مع إيران، خصوصًا في مجالات الطاقة والاستثمار ومشاريع البنية التحتية، حيث تعد إيران شريكًا مهمًا في مبادرة “الحزام والطريق”. كما تعكس المشاركة حرص الصين على الحفاظ على الاستقرار في منطقة تمثل مصدرًا رئيسيًا لوارداتها من الطاقة.
وفيما يتعلق بالعراق، حملت المشاركة أبعادًا سياسية ودينية في آن واحد. فالعلاقات بين بغداد وطهران تتجاوز الجانب الدبلوماسي، وتشمل روابط دينية واقتصادية وأمنية، إلى جانب التعاون في ملفات إقليمية متعددة. كما أن إدراج مدينتي النجف وكربلاء ضمن مراسم التشييع يعكس البعد الديني للمناسبة وأهمية العراق في الوجدان الشيعي.
وشاركت باكستان أيضًا بوفد رسمي، وهو ما اعتبره محللون مؤشرًا على رغبة إسلام آباد في الحفاظ على علاقاتها مع طهران، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي. وتربط البلدين ملفات مشتركة تتعلق بأمن الحدود والطاقة والتجارة، ما يجعل استمرار التواصل السياسي بينهما أمرًا ذا أهمية للطرفين.
كما حضرت الهند بوفد رسمي، في خطوة تعكس حرص نيودلهي على الإبقاء على قنوات الاتصال مع إيران، بالنظر إلى المصالح المرتبطة بميناء تشابهار، وأمن الطاقة، والتوازن في علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية.
في المقابل، كان غياب الولايات المتحدة والدول الأوروبية عن المشاركة الرسمية متوقعًا في ظل استمرار التوتر بين إيران والغرب، والخلافات الممتدة حول البرنامج النووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي. ويرى مراقبون أن هذا الغياب يعكس استمرار الانقسام السياسي بين طهران والعواصم الغربية، في وقت سعت فيه إيران إلى إظهار حجم الدعم الذي تحظى به من شركائها الإقليميين والدوليين. (AP News)
ويرى محللون أن طهران سعت من خلال الحضور الدولي إلى توجيه رسالتين أساسيتين: الأولى إلى الداخل الإيراني، ومفادها أن الدولة لا تزال تحظى بدعم وتحالفات خارجية رغم التحديات التي واجهتها خلال الأشهر الماضية؛ والثانية إلى الخارج، بأن شبكة علاقاتها الدولية ما زالت قائمة، وأن رحيل المرشد لن يؤدي إلى عزلة سياسية أو فراغ في علاقاتها مع حلفائها. (الغارديان)
وفي المحصلة، تجاوزت مراسم التشييع إطارها الديني لتصبح محطة سياسية ودبلوماسية لقياس موقع إيران في المشهد الدولي. فالوفود المشاركة لم تمثل فقط دولًا جاءت لتقديم التعازي، بل عكست أيضًا خريطة التحالفات التي تراهن عليها طهران في المرحلة المقبلة، في وقت يترقب فيه العالم كيفية إدارة القيادة الإيرانية الجديدة لعلاقاتها الداخلية والخارجية.