وتكشف مصادر حقوقية وقانونية واكبت الجلسة الأولى للمحاكمة أن لائحة الاتهام الطويلة التي صاغتها النيابة العامة، بالتعاون مع جهاز الأمن الاستراتيجي وإدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، لا تستهدف مجرد أفراد أو خطباء ارتقوا المنبر في موسم عاشوراء الفائت، بل هي محاكمة علنية لبنية المذهب الجعفري وأصوله الفقهية والتنظيمية المستقلة.
وتستند النيابة في مرافعتها إلى توصيف الأحكام الشرعية المتوارثة، والتقليد الديني، وإدارة الأوقاف الأهلية والمآتم باعتبارها "أدوات لإنشاء تنظيمات غير مرخصة تهدف إلى مناهضة نظام الحكم"، وهي قفزة خطيرة تسعى من خلالها السلطة إلى صياغة "إسلام رسمي" مشوّه ومفصل على مقاس الإرادة الأمنية.
إن إحالة المعتقدات الروحية والأحكام الفقهية الصارمة إلى مواد في قانون العقوبات هو بمثابة "إعلان حرب ثقافية" يسعى لتجريد الشارع من آخر مساحات استقلاليته الروحية والاجتماعية.
وتُشير القراءة التحليلية لخلفيات القضية إلى أن الأجهزة الأمنية عمدت إلى فبركة ملفات اتهام معقدة تربط بين الأداء العبادي والخطاب الأخلاقي للمنبر الديني وبين "التنظيمات المرتبطة بالخارج"؛ حيث يُواجه المعتقلون، ومن بينهم علماء دين بارزون وقائمون على مجالس حسينية، تهماً فضفاضة مثل "السعي للتأثير على المجالس الدينية وتوجيهها سياسياً".
ووفقاً للحقوقيين، فإن هذه السردية الحكومية تهدف إلى التغطية على الفشل في ترويض المجتمع خلال موسم عاشوراء، وإيجاد مسوغ قانوني لفرض الوصاية الكاملة وتأميم المآتم وتعيين الخطباء من قبل وزارة العدل والشؤون الإسلامية.
أمام هذا التصعيد، الذي وُصف بأنه محاولة لشرعنة الاضطهاد الثقافي والمذهبي، تشهد قاعات المحاكم إصراراً من المتهمين وهيئات الدفاع على تهافت التهم وخلوّها من أي سند قانوني معترف به دولياً، معتبرين أن ممارسة الشعائر وحرية الاعتقاد والتعبير حقوق أصيلة لا يمكن إسقاطها بقرارات سياسية. وفي المحصلة، تضع هذه المحاكمات النظام البحريني في مواجهة مباشرة مع الهوية التاريخية للبلاد، وتكشف زيف شعارات "التسامح الديني وحوار الحضارات" التي تروج لها البعثات الدبلوماسية للمنامة في العواصم الغربية، في وقت يُساق فيه علماء الطائفة إلى السجون وتُحاكم فيه معتقداتهم خلف أبواب المغلقة.