ويعتبر مراقبون أن السنوات الماضية شهدت تراجعاً في بعض ركائز النفوذ الإيراني، سواء نتيجة التحولات في سوريا، أو الضغوط على حلفاء طهران في أكثر من ساحة، إضافة إلى التغيرات في موازين القوى الإقليمية. لذلك، تدخل القيادة الإيرانية المرحلة الحالية وهي تعمل على إعادة صياغة استراتيجيتها، مع التركيز على تعزيز الردع العسكري، والحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية، والانخراط بشكل أكبر في الدبلوماسية عندما يخدم ذلك مصالحها.
في المقابل، تشير تحليلات حديثة إلى أن إيران تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت نفسها لاعباً رئيسياً في معادلات المنطقة، مستفيدة من قدرتها على الصمود خلال المواجهات الأخيرة. وترى طهران أن استمرار نفوذها لا يعتمد فقط على حلفائها التقليديين، بل أيضاً على موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي تحول إلى إحدى أهم أوراق الضغط في أي مفاوضات أو مواجهة مقبلة.
كما أن السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة تبدو أكثر ميلاً إلى المزج بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بدلاً من الاعتماد على النفوذ العسكري وحده. فإلى جانب استمرار تطوير القدرات الدفاعية، تعمل طهران على إعادة تنشيط علاقاتها التجارية مع دول الخليج وبعض الدول الآسيوية، في محاولة لتخفيف آثار العقوبات وتعزيز موقعها الاقتصادي.
ويرى باحثون أن النفوذ الإيراني لن يختفي من المنطقة، لكنه سيأخذ شكلاً مختلفاً عما كان عليه خلال العقد الماضي. فبدلاً من سياسة التوسع، قد تركز إيران على حماية مناطق نفوذها الأساسية، وإعادة بناء علاقاتها مع القوى الإقليمية، مع تجنب الانخراط في مواجهات واسعة تستنزف قدراتها. ويأتي ذلك بالتزامن مع تغيرات متسارعة في المنطقة، تشمل مسارات التطبيع، وإعادة تشكيل التحالفات، وعودة المنافسة الدولية على الشرق الأوسط.
وبناءً على هذه المعطيات، تبدو المرحلة الجديدة بالنسبة لإيران مرحلة “إعادة تموضع” أكثر منها مرحلة توسع. فالتحدي الرئيسي أمام طهران لم يعد فقط زيادة نفوذها، بل الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية مؤثرة في ظل بيئة سياسية وأمنية تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل سنوات، وهو ما سيحدد شكل دورها في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.