0
الأربعاء 8 تموز 2026 ساعة 09:21

دومة الجندل في بيروت: كيف تحوّل الخروقات الميدانية تفاوض "حقن الدماء" إلى سلاح استنزاف؟

دومة الجندل في بيروت: كيف تحوّل الخروقات الميدانية تفاوض "حقن الدماء" إلى سلاح استنزاف؟
إن هذا التناظر يتجلى بوضوح عند فحص "الغارات الاستنزافية" كآلية مشتركة بين الماضي والحاضر؛ فكما أن جبهة الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان لم تلتزم بجمود عسكري كامل بعد معركة صفين والقبول بالتحكيم، بل أطلقت استراتيجية "الغارات الخاطفة" كالتي قادها الضحاك بن قيس وبسر بن أرطأة على أطراف العراق واليمن، فإن إسرائيل اليوم تتبنى السياسة ذاتها عبر "الخروقات الاستباقية" والتحليق الاستخباري المرفق بقصف موضعي بدعاوى أمنية واهية. وفي الحالتين، لا يستهدف الطرف المغتصِب للهدنة إشعال حرب شاملة فورية، بل يبعث برسائل ضغط مستمرة للبيئة الحاضنة للخصم تفيد بأن التفاوض لم يجلب الأمان المطلق، مستغلاً حاجة الطرف الآخر للهدنة لابتزاز المفاوض السياسي وانتزاع تنازلات إضافية في تفاصيل وتفسير البنود التنفيدية.

إلى جانب الاستنزاف المادي، تلعب هذه الخروقات دوراً خبيثاً في تفتيت الجبهة الداخلية للخصم وهدم وعيه الجمعي؛ فالتاريخ يُثبت أن غارات أهل الشام وتفلت الوضع الميداني عقب التحكيم هما ما تسببا في حرد "الخوارج" وانقسام جيش الإمام علي بن أبي طالب، حين تعالت الأصوات اللائمة لقيادتها بسبب قبول مبدأ التفاوض بينما العدو يغزو الأطراف، مما اضطر جبهة الكوفة للانكفاء داخلياً لمعالجة أزماتها المتفجرة, وهو تماماً ذات الفخ الإستراتيجي الذي يُنصب للبنان حالياً، حيث تُستغل الخروقات الإسرائيلية المستمرة لضرب إسفين بين المكونات اللبنانية، لتجد الدولة ومفاوضها الرسمي نفسه في موقف حرج بين مطرقة تيار المقاومة الذي يرى الخروقات دليلاً على عدم جدوى الوعود الدولية والحاجة لمعادلة الردع، وسندان تيارات معارضة توظف الاعتداءات للقول إن السلاح يستجلب الحرب ولا يحمي السيادة.

وفي نهاية المطاف، تقود هذه الدوامة من الخروقات إلى إحداث ما يُعرف في العلوم السياسية بـ "إزاحة نقطة الانطلاق"، وتحويل الهدنة المؤقتة إلى أمر واقع جديد يخدم مصالح المعتدي, فمثلما نجحت الخروقات الأموية قديماً في تثبيت أقدام جبهة الشام سياسياً واقتصادياً بينما خسرت جبهة العراق زخمها الهجومي الأول، تسعى إسرائيل عَبْر فرض مناطق عازلة ونقاط مراقبة "بحكم الأمر الواقع" إلى قضم المكاسب تدريجياً، معتمدة على مطالبة المجتمع الدولي للجانب اللبناني بـ "ضبط النفس" من أجل الحفاظ على الاتفاق الهش. وبناءً على هذا الاستقراء، تظل العبرة التحريرية ثابتة عبر العصور: إن الهدن والشعارات المثالية لحقن الدماء لا تحمي الأوطان ما لم يتم تسييجها بقوة ميدانية قادرة على فرض الردع، وبحنكة سياسية واعية تمنع صياغة الاتفاقيات بمشرط الجراح الذي يحمله العدو.
رقم : 1290832
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم