بالمقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً ومدروساً ليرسم معادلة اشتباك جديدة؛ حيث نفذ الحرس الثوري عملية مشتركة واسعة النطاق بالصواريخ الباليستية والمسيّرات الانقضاضية، تجاوزت جغرافيا المضيق لتطال العمق اللوجستي للوجود الأمريكي في الخليج، مستهدفة مقر الأسطول الخامس الأمريكي وميناء سلمان في البحرين، وقاعدة "علي السالم" الجوية في الكويت، بالتزامن مع إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية من طراز (MQ-9 Reaper) فوق بوشهر.
هذا الرد المباشر لم يكتفِ بمحاولة صد الهجوم، بل هدف عسكرياً وسياسياً إلى إثبات قدرة طهران على شل حركة الملاحة تماماً في مضيق هرمز، وهو ما تُرجم فوراً على أرض الواقع بانخفاض قياسي في حركة المرور، وتغيير مسارات ناقلات النفط والغاز العملاقة عودةً إلى بحر العرب، في مشهد يعيد تذكير المجتمع الدولي بمدى حساسية هذا الشريان للاقتصاد العالمي.
أفق الأمور وما سينتج عن هذا التصعيد:
بالنظر إلى طبيعة هذا الانفجار العسكري وتزامنه مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، يمكن استشراف جملة من المسارات والتداعيات الإقليمية والدولية التي ستنتج عن أحداث اليوم:
أولاً: صياغة "قواعد اشتباك" جديدة وكسر الخطوط الحمر: تجاوز الطرفان في جولة اليوم استراتيجية "الحرب السيبرانية" أو "الوكلاء"؛ فالقصف الأمريكي المباشر للأراضي الإيرانية قوبل بقصف إيراني مباشر لقواعد أمريكية في دول خليجية. هذا يعني أن أي تصعيد مستقبلي لن يقتصر على مياه الخليج، بل سيحول القواعد الأمريكية في المنطقة إلى أهداف مشروعة لطهران، مما يضع الدول المضيفة لهذه القواعد أمام ضغوط سياسية وأمنية هائلة تجبرها على موازنة علاقاتها بين واشنطن وجارتها الإيرانية.
ثانثاً: عولمة الأزمة ودخول "الناتو" على خط المواجهة: إن إبداء بريطانيا وفرنسا استعداداً لإرسال بعثة عسكرية مشتركة لحفظ الأمن في المضيق، وتصريحات الأمين العام للناتو، تشير إلى أن الغرب يتجه نحو "عولمة" أمن مضيق هرمز وتحويله إلى ملف دولي. في المقابل، تعتبر طهران هذا التوجه خطاً أحمر، وسينتج عن هذا التضارب زيادة عسكرة المنطقة ودخول أطراف دولية أخرى كالصين وروسيا على خط الأزمة الصامتة، لحماية مصالحها الاقتصادية مع دول الخليج وإيران.
ثالثاً: خنق سوق الطاقة العالمي وتسريع الركود الاقتصادي: النتيجة الفورية المستمرة لهذه المواجهة ستكون قفزة قياسية في أسعار النفط والتأمين البحري. استمرار الشلل في مضيق هرمز، وتخفي الخوف من النيران المتبادلة، سيعني انقطاع إمدادات الغاز والنفط الحيوية عن أوروبا وآسيا، مما يهدد بانتكاسة اقتصادية عالمية قد تضغط على واشنطن لكبح جماح التصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة تضخم عالمية جديدة.
رابعاً: موت الدبلوماسية المؤقت وولادة "تفاوض تحت النار": لقد نسفت ضربات اليوم جهود الوساطة الباكستانية والقطرية الأخيرة. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد العنيف غالباً ما يُراد منه تحسين الشروط التفاوضية؛ فالولايات المتحدة تريد محاصرة النفوذ الإيراني النفطي والعسكري، وإيران تريد إثبات أن أمن المنطقة لا يمر عبر الشروط الأمريكية. بناءً على ذلك، فإن الأفق القريب يشير إلى فترة من "عض الأصابع" والمناوشات المتقطعة، يعقبها بالضرورة صياغة تفاهمات دولية وإقليمية جديدة بالكامل، لأن البديل عنها سيكون حرباً إقليمية شاملة لا يمتلك أي طرف القدرة على تحمل أثمانها الاقتصادية والبشرية.