0
الخميس 9 تموز 2026 ساعة 11:08

كيف تؤثر الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران على أمن الشركاء والوسطاء؟

كيف تؤثر الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران على أمن الشركاء والوسطاء؟
من الجانب الأمريكي، تتجلى معضلة حقيقية في النهج الراديكالي الذي يتبعه الرئيس دونالد ترامب في إدارة علاقات واشنطن الدولية. فالهجمات السياسية المتكررة على الحلفاء الأوروبيين، والتلويح المستمر بتقليص الدعم العسكري لكييف، يضعان القارة الأوروبية في وضع استراتيجي هش، مما يجعل الأمن الأوروبي رهينة للأجندة الأمريكية الخاصة ومطامعها الإمبراطورية.

وفي ظل هذا الإنهاك والاستنزاف الذي تتعرض له أوروبا، تبدو محاولات الإدارة الأمريكية لدفع حلفائها نحو الانخراط في مواجهة إقليمية جديدة في الشرق الأوسط ضد إيران خطوة متهورة وغير منطقية؛ وهي مواجهة يذكي نارها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لخدمة مصالح ضيقة. إن هذا الاندفاع يعكس أطماعاً أمريكية لامتناهية لا تراعي مصالح الشركاء بل تسعى لاستخدامهم كأدوات في صراعاتها.

علاوة على ذلك، فإن أسلوب الضغط القاسي والابتزاز السياسي الذي يمارسه ترامب ــ بدءاً من مهاجمة مواقف إسبانيا وإيطاليا، وصولاً إلى الاستفزازات السياسية تجاه الدنمارك في ملف "غرينلاند" ــ يحوّل مفهوم التحالف الغربي إلى آلية للإذعان الإجباري. هذا السلوك يخلق قناعة لدى العواصم الأوروبية بأن الخطر الحقيقي على استقلال قرارها السيادي لم يعد يقتصر على الخصوم التقليديين، بل يمتد إلى الحليف الأكبر نفسه الذي يفرض شروطه بمنطق الهيمنة والاستعلاء، مما يقوّض أي قدرة على بناء تحالفات دولية مستقرة ومتوازنة تحتاج إلى شرعية سياسية وتنسيق حقيقي.

على المقلب الآخر، تنطلق التحركات الإيرانية في منطقة الخليج والممرات المائية الحيوية من رؤية استراتيجية تهدف إلى حماية السيادة الوطنية، وتأمين المجال الحيوي في مواجهة الحصار الاقتصادي والمخططات الأمريكية الهادفة لفرض التبعية على المنطقة. طهران تسعى جاهدة لإثبات معادلة الردع ورفض الإملاءات الخارجية، وهو حق مشروع لأي دولة تواجه ضغوطاً قصوى ومحاولات مستمرة للتحجيم.

ومع ذلك، فإن هذه المعادلة الدفاعية تواجه تحديات دبلوماسية دقيقة ترتبط بعلاقتها مع الجوار العربي. فالإجراءات الأمنية التي تتخذها طهران لتأمين الملاحة أو فرض قواعد اشتباك تضمن سلامة أراضيها، تترك أحياناً ارتدادات غير مقصودة على سفن دول جوار مثل قطر والسعودية. ورغم أن المنطلق الإيراني إجرائي وبنيوي لحماية أمنها، إلا أن هذا التوتر الملاحي قد يُصعّب على العواصم الخليجية الحفاظ على موقف "الحياد الإيجابي" أو القيام بدور الوسيط النزيه الذي تحتاجه المنطقة لتهدئة الصراع بعيداً عن التدخلات الغربية اللامتناهية.

في المحصلة، يظهر التباين الصارخ بين طرفي المعادلة؛ فبينما يمارس ترامب سياسة استعلائية واضحة تقول للأوروبيين وشركاء واشنطن إن "أمنكم يمر عبر الخضوع التام للإدارة الأمريكية والأطماع التوسعية"، تحاول طهران ترسيخ قواعد اشتباك تحمي أمنها البحري والسيادي في مياه الخليج لمنع أي اختراق لأمنها القومي.

إن الخطورة الحقيقية في هذا المشهد لا تكمن في دفاع إيران عن مصالحها المشروعة، بل في عقلية الهيمنة الأمريكية التي تحوّل الحلفاء إلى تابعين والوسطاء إلى أطراف مجبرة على الانحياز. وتثبت التجربة الجيوسياسية أن سياسات الإخضاع والابتزاز التي ينتهجها ترامب لا تنتج سوى تآكل الثقة، وتفكك التحالفات، وتدفع بالمنطقة وبأوروبا نحو حافة الصدام بسب الأطماع التي لا تنتهي لواشنطن.
رقم : 1291084
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم