رحل صاحبُ "اللحظات المصيرية" بعدما دلّكم على تكليفكم الإلهي، وحمّل أكتافكم مسؤوليةً ثقيلةً طالما ازدادت وطأتها مع تعاقب السنين.
غاب فقيه "العيون المسلحة"، الذي اقترن حضوره بمحطاتكم الإيمانية، فكان عيدكم يرتبط بموعده، وأضحاكم يواكب توجيهاته.
مضى "الولي الفقيه" الذي أمضى عمره مجاهداً، مخالفاً لهواه، مطيعاً لربّه، فيما كنتم تدعون له بطول العمر، وتتمنّون أن يمتد به الزمان كما امتد بنبي الله نوح.
ورحل جبل "محور المقاومة"، الذي لم يدّخر جهداً في احتضان المقاومين، يحثّهم على الثبات، ويضع بين أيديهم أسباب الصمود؛ من المال والسلاح إلى أبسط مقومات البقاء في وجه الحصار.
غاب صاحب "يوم القدس"، الذي جعل فلسطين قضيةً حاضرةً في وجدانه، وكرّس حياته لترسيخ وعد تحريرها من الاحتلال.
ومضى وريث شعار "لا شرقية ولا غربية"، الثابت على نهجه، الذي لم يعترف إلا بخيار الإسلام المحمدي الأصيل.
ورحل صاحب "جهاد التبيين"، الذي ظلّ يحذّركم من مخاطر "الحرب الناعمة" و"الغزو الثقافي"، ويوقظ فيكم الوعي حتى لا تقعوا فريسةً للاستهداف الفكري والثقافي.
ورحل "خامنئيكم"، الذي لبّيتم نداءه في الساحات والمحافل والميادين، وكانت عمامته السوداء بالنسبة إليكم عنواناً لطريقٍ مليءٍ بالتحديات.
نعم... رحل إمامكم، أيها الولائيون.
وفي اللحظة التي ترون فيها عدوّكم يصعّد عدوانه على الجمهورية وعليكم، تعيشون امتحاناً أمنياً وسياسياً خانقاً، بعدما أصبح التمسك بقناعاتكم وتوجهاتكم موضع استهداف وملاحقة.
تشتدّ الضغوط، وتتوالى الضربات من كل اتجاه، فيما يضيق الحصار من حولكم.
وتستحضرون صفحاتٍ من التاريخ، حين كان أتباع الإمام علي بن أبي طالب (ع) يُلاحَقون ويُضطهدون بسبب ولائهم، وتُستباح دماؤهم وأموالهم وأعراضهم على يد خصومهم.
ويُشيَّع قائدكم فيما يحاول عدوّكم أن يحول بينكم وبين وداعه، وأن يمنع نعشه من العبور في مدن المقاومة وساحات الموالين.
ولعلّ عزاءكم أن هذا المصاب جاء في أيام محرّم، بعد أن ودّعتم عاشوراء، تلك المدرسة التي تعلّم الصبر والثبات، وإن كانت مرارة الفقد ستبقى حاضرةً حتى يأتي اليوم الذي ترون فيه الهزيمة على وجوه خصومكم.
لكن، لا مكان للاستسلام أيها الولائيون.
فهذا زمن العمل، لا زمن الركون إلى التعب أو الاستسلام لقسوة الظروف.
وهذا وقت التكاتف والصمود، وترسيخ الثبات، وبثّ اليأس في نفوس الأعداء.
إنه وقت مواصلة الجهاد في مواجهة الطغيان، ووقت إزالة غبار الوهن عن الأكتاف، لأن من يتوقف عن أداء دوره لن يقوم به أحد نيابةً عنه.
وكما قال قائدكم: "إنّ هذا العزاء لا يعني اليأس والاكتئاب، بل هو من سنخ العزاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)؛ عزاءٌ يُحيي، ويبعث على الأمل، ويدفع إلى الأمام، ويمنح العزيمة لمواصلة الطريق".