وقد جاءت التحركات المكثفة لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لتكشف حجم المأزق الإسرائيلي، حيث شنّ حملة تحريضية واسعة في وسائل الإعلام الأمريكية ومنصات الكونغرس، مستهدفاً الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومطلقاً تحذيرات بلغت حد وصف احتمال تزويد تركيا بمقاتلات الشبح الأمريكية المتطورة $F-35$، ومحركات $F-110$ لطائرات "قآن" التركية محلية الصنع، بأنه كارثة استراتيجية خطيرة وإخلال بميزان القوى.
وينطلق هذا الذعر الإسرائيلي من مؤشرات قوية تفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس بجديّة التراجع عن العقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة عام 2019 بسبب شرائها منظومة $S-400$ الروسية. ولم يكتفِ نتنياهو بالتحريض الدبلوماسي، بل ناشد ترامب مباشرة في اتصال هاتفي لمنع الصفقة، مفعّلاً قانون "التفوق النوعي والتكنولوجي" الأمريكي لعام 2008، وهو القانون الاستعماري الذي سنّته واشنطن لضمان بقاء الكيان الصهيوني متفوقاً عسكرياً على جميع شعوب المنطقة، والتعويض عن صغر مساحته ومحدودية موارده البشرية.
ولم تعد تل أبيب تنظر إلى تركيا كدولة حليفة أو حتى محايدة، بل باتت تصنّفها تصنيفاً معادياً يلي مباشرة المحور الأساسي الذي تشكله إيران، حيث تتركز محاور هذا التدافع في نقاط حيوية تشكل تهديداً مباشراً لمشروع التوسع الإسرائيلي. وتبرز الساحة الفلسطينية والدعم السياسي واللوجستي التركي لحركة حماس، ورفض أنقرة لخطة ترامب الأمنية في غزة، كحجر عثرة أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية.
يضاف إلى ذلك التوجس الصهيوني من التموضع العسكري التركي في سوريا ونشر منظومات دفاع جوي هناك بعد الانهيار الأخير لنظام الأسد، مما قد يقيد حرية الحركة والعدوان الجوي الصهيوني في الأجواء السورية ويخلق احتمالات صدام مباشر. كما تنزعج تل أبيب من الغضب التركي تجاه التحالف العسكري والاقتصادي الصهيوني مع اليونان وقبرص، والذي يهدف لسرقة حقول الغاز شرق المتوسط وتهميش دور أنقرة، مما يعكس قلق الاحتلال من تنامي تسلح الجيش التركي وتوسيع نطاق نشر قواته.
هذا التحول الجذري يعيد صياغة تاريخ طويل من العلاقات التي مرت بمراحل متعددة، بدأت بالتعاون الاستخباراتي السري والمقيد بين عامي 1949 و1995، ثم تحولت إلى الشراكة الاستراتيجية العسكرية المعلنة حتى عام 2002. ومع صعود حزب العدالة والتنمية، دخلت العلاقة مرحلة البراغماتية الحذرة التي استمر فيها التعاون العسكري رغم بزوغ الخلافات السياسية حتى عام 2008، لتبدأ بعدها مرحلة الانهيار التدريجي والقطيعة العسكرية الشبه كاملة إثر الاعتداءات الصهيونية المتكررة على غزة واعتداء مرمرة عام 2011، وصولاً إلى المرحلة الحالية المتواصلة منذ أكتوبر 2023، والتي باتت محكومة تماماً بمنطق العداء والصدام والاحتكاك الجيوسياسي نتيجة حرب الإبادة الجماعية على غزة.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الصهيوني، سارع وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيت، لتهدئة مخاوف تل أبيب بالقول إن تركيا عضو في الناتو وليست عدواً، إلا أن الكيان المؤقت يرفض التنازل دون ثمن، حيث تستعد الأوساط الأمنية الإسرائيلية لابتزاز الإدارة الأمريكية للحصول على رزمة تعويضات ضخمة وزخم عسكري جديد. وتشمل هذه المطالب تزويد الكيان بكميات هائلة من الذخائر الذكية والأسلحة الاستراتيجية، ودمج إسرائيل في مشاريع تكنولوجية حربية أمريكية فائقة السرية، واشتراط تقديم طائرات $F-35$ لتركيا بنسخ أقل تطوراً من تلك التي يمتلكها العدو الصهيوني، فضلاً عن فرض قيود أمريكية صارمة على تحركات الجيش التركي في الأراضي السورية.
إن التنافس الراهن يثبت المؤكد بأن الكيان الصهيوني لا يقبل بوجود أي قوة مستقلة في المنطقة، وهو عاجز عن حماية نفسه دون الاتكاء الكامل على السلاح الأمريكي ونهب مقدرات واشنطن؛ فبينما تسعى إيران وحلفاؤها لبناء معادلة ردع إقليمية شاملة تنهي الغطرسة الاستعمارية، يجد الاحتلال نفسه اليوم محاصراً ليس فقط بنيران المقاومة، بل وبتناقضات ومطامع حلفائه الدوليين والإقليميين الذين ضاقوا ذرعاً بجرائمه وأطماعه الاستعلائية.