ومن زاوية الرؤية التي تتبناها حركة انصار الله، لا يُنظر إلى هذا التحالف باعتباره مشروعا دفاعيا لحماية الملاحة الدولية، بل باعتباره محاولة لكسر معادلة "الحصار بالحصار" التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية، وإعادة فرض الهيمنة العسكرية على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
معادلة الردع الجديدة
تشير تصريحات قائد حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي إلى أن صنعاء تعتبر أن أي تصعيد سعودي جديد سيقابله تصعيد مماثل، في إطار سياسة ترى أنها نجحت في نقل جزء من كلفة الحرب إلى الطرف الآخر.
وبحسب هذا التصور، فإن البحر الأحمر لم يعد ساحة يمكن للقوات الغربية أو الإقليمية التحرك فيها بحرية كما كان الحال في السنوات السابقة، بل أصبح ميدانًا تحكمه معادلات ردع جديدة فرضتها التطورات العسكرية خلال الأعوام الأخيرة.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن تجربة التحالف الأميركي السابق في البحر الأحمر"حارس الازدهار" ، الذي أعلن عنه نهاية عام 2023 وشاركت به بريطانيا، لم تحقق أهدافها بالكامل، إذ استمرت الهجمات البحرية وواصلت شركات الشحن تعديل مساراتها أو رفع تكاليف التأمين، وهو ما يُستخدم باعتباره دليلا على محدودية فعالية الحلول العسكرية.
ورغم إعلان الرياض أن عدداً من الدول أبدى دعمه للمبادرة، فإن الموقف البريطاني يعكس قدراً من الحذر تجاه الانخراط في التحالف المقترح. فحتى الآن، اكتفت لندن بالقول إنها تراجع المقترحات وتجري مشاورات مع شركائها، من دون إعلان الانضمام إلى التحالف، رغم تأكيدها استمرار التزامها بحماية حرية الملاحة ودعم أمن السعودية.
لماذا تتحرك السعودية الآن؟
من منظور تحليلي، يمكن قراءة المبادرة السعودية باعتبارها محاولة لتحقيق عدة أهداف في وقت واحد:
-تقاسم الأعباء العسكرية مع الولايات المتحدة والدول الحليفة.
-إضفاء شرعية دولية على أي عمليات بحرية مستقبلية.
-طمأنة الأسواق العالمية وشركات الملاحة.
-زيادة الضغط السياسي والعسكري على صنعاء خلال مرحلة التفاوض.
لكن في المقابل، تواجه هذه المبادرة تحديات ليست بسيطة، أهمها تردد عدد من الدول في الانخراط في مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى اتساع نطاق الصراع، إضافة إلى اختلاف أولويات الدول المطلة على البحر الأحمر.
باب المندب... عقدة الجغرافيا
تمنح الجغرافيا اليمنية صنعاء ورقة استراتيجية يصعب تجاوزها. فباب المندب ليس مجرد ممر بحري، بل نقطة اختناق تمر عبرها نسبة مهمة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة فرض السيطرة العسكرية على المضيق ستواجه، وفق تقديرات العديد من المحللين، تحديات عملياتية معقدة، خصوصا إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف بحرية تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة.
وفي المقابل، تراهن السعودية على أن التحالف متعدد الجنسيات سيؤمن غطاء سياسيا وعسكريا أوسع، ويخفف من الضغوط التي تتحملها منفردة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح التحالف في فرض وجود بحري واسع يقلص قدرة صنعاء على تنفيذ عملياتها، وهو سيناريو يتطلب مشاركة عسكرية كبيرة واستعدادًا لتحمل مخاطر التصعيد.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر تداولا بين المراقبين، فيقوم على استمرار حالة الردع المتبادل، بحيث يفرض كل طرف قيودا على الطرف الآخر دون الوصول إلى مواجهة بحرية شاملة.
في حين يبقى السيناريو الثالث هو الأخطر، ويتمثل في تحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مفتوحة تشمل أطرافا إقليمية ودولية، بما ينعكس مباشرة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
تكشف المبادرة السعودية أن الصراع في البحر الأحمر دخل مرحلة جديدة تتجاوز البعد اليمني، ليصبح جزءا من التنافس الإقليمي والدولي على أمن الممرات البحرية.
وفي المقابل، تؤكد مواقف صنعاء أنها لا تنظر إلى التحالفات البحرية الجديدة باعتبارها عامل ردع، بل تعتبرها امتدادًا للمواجهة القائمة، وترى أن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك ستقابل بإجراءات مضادة.
وبين هذين المسارين، يبدو أن مستقبل البحر الأحمر لن يتحدد بعدد السفن المشاركة في أي تحالف، بقدر ما سيتحدد بقدرة الأطراف على إدارة التوازن بين الردع والتصعيد، أو العودة إلى مسار سياسي يقلل من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.