0
الاثنين 3 آب 2026 ساعة 21:15

مضيق هرمز.. لماذا يُعد ورقة قوة استراتيجية بيد إيران؟

مضيق هرمز.. لماذا يُعد ورقة قوة استراتيجية بيد إيران؟
خلال الأشهر الماضية، تكرر في وسائل الإعلام الغربية ومراكز الدراسات سؤالٌ محوري: لماذا تتمسك إيران بدورها في مضيق هرمز، وترفض التخلي عن هذه الورقة الاستراتيجية؟ وتكمن الإجابة، من وجهة النظر الإيرانية، في تداخل اعتبارات تاريخية وأمنية وجيوسياسية جعلت هذا الممر جزءاً من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد شريان اقتصادي أو ممر للملاحة الدولية.

وتستند طهران في هذا الموقف إلى تجربة تراكمت خلال السنوات الأخيرة، رسخت لديها قناعة بأن الاتفاقات السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا توفر وحدها ضمانات كافية للأمن.

فقد شكّل انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، وإعادة فرض العقوبات المشددة، محطة مفصلية عززت الاعتقاد بأن الالتزامات الدولية قد تنهار مع تغير الإدارات والسياسات في واشنطن.

وازدادت هذه القناعة رسوخاً مع تعرض إيران لهجوم أميركي – إسرائيلي في وقت كانت فيه المفاوضات النووية مستمرة. ومن منظور طهران، فإن هذه التجربة أكدت أن المسار الدبلوماسي لا يمنع بالضرورة اللجوء إلى الخيار العسكري، الأمر الذي جعل الحفاظ على أدوات ردع قادرة على رفع كلفة أي مواجهة عسكرية ركناً أساسياً في العقيدة الأمنية الإيرانية.

وفي هذا السياق، تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" هذه المقاربة، معتبرة أن حسابات القيادة الإيرانية بشأن مضيق هرمز أصبحت أكثر وضوحاً بعد تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي والتصعيد العسكري خلال المفاوضات. ووفق الصحيفة، ترى طهران في المضيق ورقة استراتيجية تساهم في الحصول على ضمانات تحول دون تكرار سيناريوهات مماثلة. كما نقلت عن المحلل الاقتصادي إسفنديار باتمانقليج قوله إن التجربة السابقة دفعت صناع القرار الإيرانيين إلى التشكيك في جدوى أي اتفاق لا يرافقه التزام عملي وضمانات تنفيذية تحول دون انهياره.

ولا تنبع أهمية مضيق هرمز بالنسبة لإيران من موقعه الجغرافي فحسب، بل من كونه إحدى أبرز أدواتها الجيوسياسية في التأثير على التوازنات الإقليمية والدولية. فالدولة التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متواصلة تسعى بطبيعة الحال إلى الحفاظ على عناصر القوة التي تمكنها من موازنة تلك الضغوط والحد من آثارها.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر القوة في الفكر الاستراتيجي الإيراني على القدرات العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضاً العناصر السياسية والاقتصادية والجغرافية التي تسهم في بناء منظومة ردع متكاملة. ويحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً ضمن هذه المنظومة، باعتباره ورقة تمنح إيران قدرة على موازنة نفوذ قوى تمتلك حضوراً عسكرياً واسعاً في المنطقة رغم بعدها الجغرافي عنها.

وفي المقابل، يحظى المضيق بأهمية استثنائية لدى المجتمع الدولي، نظراً لدوره الحيوي في أمن الطاقة العالمي. فأي اضطراب في حركة الملاحة عبره ينعكس سريعاً على أسواق النفط، وتكاليف النقل، والاستقرار الاقتصادي الدولي، وهو ما يجعل أي تطور يتعلق به محل متابعة دقيقة من القوى الكبرى والأسواق العالمية.

ولهذا، تنظر إيران إلى مضيق هرمز باعتباره ليس فقط وسيلة ردع، بل أيضاً ورقة سياسية في أي معادلة تفاوضية. فطالما تستخدم بعض الدول العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية لتحقيق أهدافها، ترى طهران أن امتلاك أدوات مقابلة يمثل شرطاً ضرورياً للحفاظ على التوازن ومنع فرض الإملاءات عليها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد إيران أن أهمية المضيق تتجاوز كونه أداة ضغط ظرفية، إذ يرتبط برؤيتها للنظام الأمني في الخليج الفارسي. وتكرر طهران باستمرار أن أمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية دولها، وأن الوجود العسكري الأجنبي لا يسهم في تحقيق الاستقرار بقدر ما يفاقم احتمالات التصعيد.

في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة وعدد من حلفائها بضرورة استمرار وجودهم العسكري لضمان أمن الملاحة وحرية تدفق الطاقة، وهو تباين في الرؤى شكّل أحد أبرز أسباب التنافس الاستراتيجي بين طهران وواشنطن طوال العقود الماضية.

ومع التطورات الأخيرة، ازدادت أهمية مضيق هرمز في حسابات الجانبين. فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تقتصر تداعياتها على الجانب العسكري، بل ستمتد إلى أمن قواعدها في المنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، ومواقف القوى الإقليمية، وهي عوامل تفرض نفسها على عملية صنع القرار في واشنطن.

وفي المقابل، تدرك إيران حساسية المضيق بالنسبة للاقتصاد العالمي، ولذلك تسعى إلى الاحتفاظ بهذه الورقة ضمن إطار استراتيجية الردع، باعتبارها وسيلة لرفع كلفة أي عدوان محتمل، وتعزيز قدرتها على مواجهة الضغوط السياسية والعسكرية.

وبناءً على ذلك، فإن السؤال الحقيقي، من وجهة النظر الإيرانية، لا يتعلق بسبب تمسك طهران بهذه الورقة، بل بالأسباب التي دفعتها إلى اعتبارها ضرورة استراتيجية. فالتجربة مع الولايات المتحدة، كما تراها إيران، أثبتت أن الاتفاقات السياسية تبقى عرضة للانهيار في غياب ضمانات ملزمة، وأن تغير الإدارات في واشنطن قد يؤدي إلى نسف تفاهمات سابقة.

ولهذا، ما دامت الخلافات الأمنية بين إيران والولايات المتحدة قائمة، وما دامت الآليات الكفيلة بمنع العودة إلى الضغوط والعقوبات أو الخيار العسكري غير متوافرة، فمن غير المتوقع أن تتخلى طهران عن أحد أهم عناصر قوتها الجيوسياسية. فمضيق هرمز، في الرؤية الإيرانية، ليس مجرد ممر مائي، بل ركيزة أساسية في معادلة الردع والأمن القومي، وورقة استراتيجية تراها ضرورية للحفاظ على توازن القوى في مواجهة الضغوط الخارجية.
رقم : 1297024
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم