أعلنت مجموعة من حملات السفر اعتذارها عن عدم تنظيم رحلات زيارة الأربعين إلى العراق هذا العام، مؤكدةً أن الإجراءات والاشتراطات التنظيمية المفروضة على الموسم حالت دون قدرتها على تسيير الرحلات، رغم ما بذلته من جهود واستعدادات لخدمة الزائرين.
وأوضحت الحملات، في رسائل وجّهتها إلى عملائها، أنها كانت تأمل، كما في الأعوام الماضية، في مرافقة الزائرين إلى العتبات المقدسة، إلا أن المتغيرات التنظيمية التي رافقت استئناف السفر جعلت ذلك متعذرًا، ما دفعها إلى الاعتذار عن عدم تنظيم الرحلات.
ولا يبدو هذا القرار منفصلًا عن المشهد العام في البحرين، حيث جاء في ظل تصاعد القيود المفروضة على الشعائر الدينية خلال شهري محرم وصفر، وبعد موجة من الاعتراضات على الضوابط التي أعلنتها الأوقاف الجعفرية بشأن تنظيم الشعائر، والتي رفضت العديد من المآتم والحسينيات الالتزام بها. وفي هذا السياق، يُنظر إلى موقف الحملات باعتباره تعبيرًا عن رفض الانخراط في آلية تُخضع زيارة العتبات المقدسة لشروط وإجراءات تتجاوز الإطار التنظيمي إلى اعتبارات أمنية.
ويحمل امتناع الحملات عن تسيير رحلات الأربعين دلالات تتجاوز الجانب الإداري، إذ يعكس موقفًا مفاده أن الزيارة الدينية لا يمكن التعامل معها بوصفها خدمة سياحية تُدار بمنطق التراخيص والقيود الأمنية، أو حقًا يُمنح ويُحجب وفق قرارات السلطة. فهذه الحملات، التي أدّت على مدى سنوات دورًا في تسهيل وصول الزائرين إلى العتبات المقدسة، وجدت نفسها أمام شروط تجعلها طرفًا في تطبيق إجراءات لا تنسجم، من وجهة نظرها، مع طبيعة هذه الشعيرة وحق المواطنين في ممارستها بحرية.
وفي المقابل، سعت الدولة إلى تقديم استئناف السفر إلى العراق باعتباره خطوة تسهيلية، غير أن الشروط التي رافقت القرار أفرغته، بحسب منتقديه، من مضمونه.
فالسماح المقترن بقيود استثنائية، وإجراءات معقدة، ورقابة مشددة، لا يُعد انفراجًا حقيقيًا، بل يُنظر إليه باعتباره استمرارًا لسياسة التقييد بصيغ مختلفة. ومن هنا، يُفهم قرار الحملات بعدم تنظيم الرحلات على أنه رفض لإضفاء مشروعية على واقع جديد تُمارَس فيه زيارة الأربعين ضمن معايير أمنية، لا وفق ما استقر عليه العرف الديني والاجتماعي على مدى عقود.
ويأتي هذا الموقف أيضًا منسجمًا مع المزاج الشعبي والديني الذي برز خلال الأشهر الأخيرة، والذي عبّر مرارًا عن رفض تحويل الشعائر الدينية إلى ملف أمني. فمن القيود المفروضة على المجالس الحسينية والمواكب، إلى التدخل في تفاصيل إحياء الشعائر، وصولًا إلى الاشتراطات غير المسبوقة المتعلقة بالسفر إلى العراق، تبدو هذه الإجراءات، في نظر كثيرين، حلقات ضمن سياسة واحدة تستهدف إخضاع المجال الديني لاعتبارات السلطة، بدل الاكتفاء بتنظيمه في إطاره الإداري الطبيعي.
وفي المحصلة، لم تواجه الدولة هذه المرة اعتراضًا سياسيًا فحسب، بل اصطدمت بموقف مجتمعي هادئ في شكله، عميق في دلالاته. فامتناع الحملات عن تسيير الرحلات، وحرمان آلاف البحرينيين من أداء زيارة الأربعين بالصورة التي اعتادوها، يبعث برسالة مفادها أن الحقوق الدينية لا تقبل التجزئة أو إعادة التعريف عبر قرارات إدارية.
فبالنسبة إلى جمهور هذه الشعائر، تمثل الزيارة جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية والثقافية، وأي محاولة لإعادة تشكيلها وفق اعتبارات أمنية ستبقى موضع رفض مجتمعي، حتى وإن تجلّى هذا الرفض في مواقف صامتة، كامتناع الحملات عن تنظيم الرحلات أو إحجام المواطنين عن المشاركة في زيارة يرون أن القيود المفروضة عليها تمس جوهرها أكثر مما تنظمها.