في هذا السياق، تبرز تقارير وتحليلات أميركية تتحدث عن احتمال لجوء واشنطن إلى عمليات عسكرية محدودة للسيطرة على مواقع بحرية تستخدمها إيران لتعزيز نفوذها في الخليج. غير أن طرح هذا السيناريو لا يعني بالضرورة وجود قرار أميركي بالحرب البرية، بل يعكس جزءاً من الصراع النفسي والسياسي والعسكري بين الطرفين، حيث تُستخدم التهديدات والسيناريوهات المحتملة كأدوات ضغط وردع.
أهمية الجزر الثلاث في الحسابات العسكرية
تكمن أهمية أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى في موقعها القريب من الممرات البحرية الحيوية في مضيق هرمز، فامتلاك مواقع متقدمة في هذه المنطقة يمنح أي قوة عسكرية قدرة أكبر على مراقبة حركة السفن، ونشر أنظمة دفاعية، واستخدام الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة.
ومنذ عقود، تعتبر إيران هذه الجزر جزءاً من منظومتها الدفاعية المتقدمة، خصوصاً بعد الثورة الإسلامية، حيث عزز الحرس الثوري وجوده العسكري فيها.
في المقابل، تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الجزر أراضي متنازعاً عليها وتطالب بحل القضية عبر التفاوض أو الوسائل القانونية الدولية.
لماذا تروّج بعض الدوائر الأميركية لفكرة العملية البرية؟
هناك عدة أسباب تجعل سيناريو العمل البري يظهر في الخطاب العسكري الأميركي:
أولاً: محاولة إظهار القدرة على تعطيل القدرات الإيرانية في الخليج. فالسيطرة على جزر استراتيجية قد تُطرح كوسيلة لمنع استخدام قواعد متقدمة ضد السفن والقوات الأميركية أو الحليفة.
ثانياً: الضغط السياسي والنفسي على القيادة الإيرانية. فإظهار أن الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى مناطق حساسة داخل البيئة الدفاعية الإيرانية يهدف إلى التأثير على حسابات طهران.
ثالثاً: خدمة النقاش الداخلي الأميركي حول كيفية التعامل مع إيران. فبعض التيارات ترى أن الضربات الجوية وحدها قد لا تكون كافية، بينما يرى آخرون أن أي تدخل بري يحمل مخاطر كبيرة وقد يفتح باباً لصراع طويل.
هل السيطرة على الجزر عملية عسكرية سهلة؟
رغم أن بعض التحليلات تفترض إمكانية تنفيذ عملية إنزال والسيطرة على الجزر خلال وقت قصير، فإن الواقع العسكري أكثر تعقيداً. فالسيطرة على أرض صغيرة لا تعني بالضرورة تحقيق هدف استراتيجي كامل.
أي عملية ضد هذه الجزر ستواجه تحديات عديدة، أبرزها احتمال الرد الصاروخي الإيراني، واستخدام الطائرات المسيّرة، والهجمات غير المتكافئة، إضافة إلى خطر توسع المواجهة لتشمل قواعد أميركية في المنطقة أو حركة الملاحة الدولية.
كما أن الجزر، رغم صغر مساحتها، تقع ضمن بيئة عسكرية شديدة الحساسية، حيث تستطيع إيران استخدام قدرات بعيدة المدى لضرب القوات التي قد تتمركز فيها.
السيطرة على بوابة الطاقة العالمية
لا يمكن فصل الصراع حول الجزر عن أهمية مضيق هرمز اقتصادياً، فتعطيل الملاحة أو تهديدها ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة، بينما ترى إيران أن وجودها العسكري في المنطقة يمثل ورقة ردع في مواجهة خصومها.
وهنا تتحول الجزر إلى جزء من معركة أكبر حول النفوذ الإقليمي، وليس فقط خلافاً على مساحات جغرافية محدودة.
خطر الأسلحة الكيميائية والبيئة العسكرية المعقدة
روجت بعض التقارير الأميركية السابقة إلى مخاوف مرتبطة بوجود مواد خطرة أو مخلفات عسكرية في جزيرة أبو موسى، إلا أن هذه المزاعم بقيت موضع جدل ونفتها إيران.
لكن من الناحية العسكرية، فإن أي عملية سيطرة على موقع يحتوي على منشآت عسكرية قديمة أو مواد غير معروفة تمثل تحدياً للقوات المهاجمة.
فالتحدي لا يقتصر على القتال، بل يشمل أيضاً حماية الجنود من المخاطر البيئية والكيميائية المحتملة.
الجزر كجزء من حرب الرسائل
الحديث عن الاستيلاء على الجزر الإيرانية يعكس صراعاً أكبر بين واشنطن وطهران حول النفوذ في الخليج، فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على حرية الملاحة ومنع إيران من امتلاك قدرة تهديدية قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بينما تعتبر إيران وجودها في هذه الجزر جزءاً من أمنها القومي وخط دفاعها الأول.
لذلك، فإن الترويج لسيناريو العمل البري قد يكون أداة ردع وضغط سياسية وعسكرية بقدر ما هو تصور لعملية عسكرية محتملة. أما تنفيذ مثل هذه العملية، فيبقى قراراً عالي المخاطر قد يؤدي إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الجزر الثلاث إلى كامل الإقليم.