0
الأربعاء 5 آب 2026 ساعة 13:10

بين كلام الملك والرسالة المحمدية... مواقف تُفاقم الأزمة

بين كلام الملك والرسالة المحمدية... مواقف تُفاقم الأزمة
شكّل حديث ملك البحرين أبرز محطات خطابه عندما أعرب عن أسفه لما وصفه بـ"تجاهل إيران لما يفترض أن يجمعها بدول المنطقة من رابطة دينية"، معتبرًا أنها "تناسَت فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي منحت حضارتها بعدًا روحيًا وإنسانيًا ومعرفيًا بعد عصور من الضلال".

هذه التصريحات لم تمرّ من دون رد، إذ سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى إصدار بيان علني تناول كلام الملك بصورة مباشرة، مؤكدة أن من يستحضر الرسالة المحمدية في خطابه "يجدر به أن يقيس سياسات حكومته أولًا بميزان تعاليم الإسلام". وتساءلت الخارجية الإيرانية عمّا إذا كان الاصطفاف إلى جانب أطراف شنت عمليات عسكرية ضد دولة إسلامية، أو تقديم التسهيلات والدعم لها، ينسجم مع المبادئ القرآنية التي تنهى عن نصرة الظالمين أو إعانة المعتدين، معتبرة أن القرآن الكريم وسنة النبي محمد (ص) يقدّمان جوابًا واضحًا على هذه المسائل.

وأضافت أن الجمهورية الإسلامية، رغم التباينات السياسية، أكدت مرارًا تمسكها بمبدأ حسن الجوار والعلاقات الأخوية بين الدول الإسلامية، مشيرة إلى أن القرآن الكريم يحذّر من الركون إلى الظالمين، ومستشهدة بالآية الكريمة: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾، إلى جانب الحديث النبوي: "من أعان ظالمًا سلّطه الله عليه".

كما شددت الخارجية الإيرانية على أن إيران تمتلك حضارة ضاربة في التاريخ، وأنها بعد اعتناقها الإسلام أسهمت بصورة فاعلة في بناء الحضارة الإسلامية وتطورها في مجالات الفقه والحديث والفلسفة والطب والرياضيات والأدب، مؤكدة أن معيار التفاضل في الإسلام لا يقوم على اللغة أو الانتماء الجغرافي، وإنما على التقوى، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. واعتبرت أن مجرد التحدث باللغة العربية لا يمنح أي حاكم حق احتكار تمثيل الرسالة المحمدية أو توظيفها سياسيًا بمعزل عن الالتزام العملي بقيم الإسلام.

وأثار خطاب الملك تساؤلات حول الرسائل التي أراد إيصالها من خلال هذا الطرح. فهل كان يسعى إلى استدراج رد إيراني؟ هذا الاحتمال لا يبدو الأكثر ترجيحًا، إذ رأى مراقبون أن حديثه جاء في إطار محاولة لتقديم نفسه أمام الرأي العام العربي والغربي بوصفه قائدًا يتبنى خطابًا عقلانيًا ومتزنًا، فيما اعتبر آخرون أن كلامه يمثل محاولة لخفض مستوى التوتر مع طهران، بعد الانتقادات التي طالت البحرين على خلفية استخدامها في سياق العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران.

في المقابل، يذهب رأي آخر إلى أن الطريقة التي تناول بها الملك الأزمة مع إيران لم تسهم في معالجتها، بل زادت من تعقيدها، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن الخطاب لم يبدد أسباب التوتر، وإنما أضاف إليها عناصر جديدة، ما جعله أقرب إلى تأجيج الأزمة منه إلى احتوائها.

ويستند هذا التقييم إلى قناعة بأن مقاربة السلطة تميل في كثير من الأحيان إلى البحث عن حلول سريعة، من دون إعطاء الاهتمام الكافي للانعكاسات السياسية والاستراتيجية التي قد تترتب عليها، وهو ما يؤدي، بحسب منتقدين، إلى سوء تقدير للعواقب.

وتبرز المفارقة، وفق هؤلاء، في استدعاء مفهوم الرسالة المحمدية في الخطاب السياسي، في وقت تواجه فيه السلطات البحرينية انتقادات متواصلة بشأن تعاملها مع المواطنين الشيعة والقيود المفروضة على عدد من مظاهرهم الدينية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الاحتجاج بقيم الإسلام في مخاطبة الخارج يفترض أن يبدأ بتجسيدها في الداخل، حيث تقاس صدقية الخطاب من خلال الممارسة الفعلية لا بالشعارات المعلنة.

ومن هذا المنطلق، فإن توظيف الرسالة المحمدية في السجالات السياسية يفقد جانبًا من قوته الإقناعية إذا لم يقترن بتكريس العدالة بين المواطنين، وصون كرامتهم، واحترام حرياتهم الدينية، وضمان المساواة أمام القانون بعيدًا عن أي تمييز. فالرسالة التي جاء بها الرسول الأكرم (ص) قامت على العدل والإنصاف وصيانة كرامة الإنسان، وعندما يشعر جزء من المواطنين بأن هذه المبادئ لا تُطبَّق عليهم بالقدر نفسه، يصبح استحضار تلك الرسالة محل نقاش وتساؤل، أكثر من كونه موضع قبول وتسليم.
رقم : 1297316
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم