0
الخميس 6 آب 2026 ساعة 11:29

بين الجغرافيا والسياسة... كيف يعيد حزب الله وسوريا الجديدة رسم العلاقة؟

بين الجغرافيا والسياسة... كيف يعيد حزب الله وسوريا الجديدة رسم العلاقة؟
فالتصريحات المتبادلة خلال الأسابيع الأخيرة، سواء من الشيخ نعيم قاسم أو من الرئيس السوري أحمد الشرع، ليست مجرد رسائل دبلوماسية عابرة، وإنما تعكس إدراكاً متبادلاً بأن البيئة الاستراتيجية التي حكمت العلاقة خلال العقدين الماضيين انتهت فعلياً، وأن المرحلة المقبلة ستُبنى على أسس مختلفة تماماً.
 
لقد كان سقوط نظام بشار الأسد أكبر تحول استراتيجي واجهه حزب الله منذ تأسيسه. فدمشق لم تكن بالنسبة إليه مجرد دولة حليفة، بل شكلت العمق الجغرافي والسياسي والعسكري الذي ربطه بمحور المقاومة، وممره البري نحو إيران، ومركزاً لوجستياً رئيسياً في معادلة الردع الإقليمية. ومع انتقال السلطة إلى إدارة جديدة بقيادة أحمد الشرع، وجد الحزب نفسه أمام واقع سياسي لا يشبه ما عرفه طوال العقود الماضية.
 
وفي المقابل، ورثت القيادة السورية الجديدة علاقة مثقلة بإرث الحرب السورية، وبمشاركة حزب الله العسكرية إلى جانب النظام السابق، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الجغرافيا السياسية تفرض عليها إدارة العلاقة مع مختلف القوى اللبنانية، انطلاقاً من اعتبارات الأمن القومي السوري، لا من حسابات الثأر السياسي.
 
تكشف التصريحات الأخيرة للطرفين أن العلاقة انتقلت من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة اختبار النوايا.
 
فعندما أعلن الشيخ نعيم قاسم أنه "لا مانع من اللقاء مع القيادة السورية في الوقت المناسب"، لم يكن يوجه رسالة إلى دمشق وحدها، بل إلى الداخل اللبناني والإقليم أيضاً، مفادها أن الحزب مستعد لإعادة تموضع سياسي يراعي موازين القوى الجديدة.
 
وفي المقابل، جاء موقف الرئيس أحمد الشرع منسجماً مع فلسفة السياسة الخارجية التي تحاول دمشق تكريسها منذ تشكيل السلطة الجديدة، والقائمة على مبدأ "تصفير الأزمات" والانفتاح المشروط، دون العودة إلى الاصطفافات القديمة. لذلك، لم يرفض الحوار مع حزب الله، لكنه ربطه صراحة بتحقيق المصلحة السورية واللبنانية، وهي صياغة تحمل دلالات سياسية مهمة، لأنها تنقل العلاقة من إطار التحالف العقائدي إلى إطار المصالح الوطنية.
 
لماذا يحتاج الحزب إلى دمشق؟
 
أحد أهم التحولات التي فرضتها المرحلة الجديدة يتمثل في انقلاب ميزان الحاجة بين الطرفين.
 
خلال عهد النظام السابق، كانت دمشق ترى في حزب الله أحد أهم أدوات نفوذها الإقليمي، بينما كان الحزب يستفيد من المظلة السورية لتأمين عمقه اللوجستي والعسكري. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة بصورة واضحة.
 
فالحكومة السورية استعادت تدريجياً سيطرتها على معظم الحدود، وأعادت بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وبدأت تنسج شبكة علاقات عربية وإقليمية جديدة، وتسعى إلى استعادة موقعها في النظامين العربي والدولي. وبذلك أصبحت أقل اعتماداً على الفاعلين غير الرسميين، وأكثر حرصاً على تثبيت احتكار الدولة للقرار الأمني.
 
في المقابل، يواجه حزب الله بيئة أكثر تعقيداً. فالضغوط العسكرية الإسرائيلية، وتشديد الرقابة على الحدود السورية، وتراجع هامش الحركة الإقليمي، كلها عوامل جعلت الحفاظ على حد أدنى من العلاقة مع دمشق ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي.
 
لهذا، تبدو المبادرة بالحوار أقرب إلى محاولة لإدارة الخسائر، والحفاظ على ما تبقى من قنوات التواصل، أكثر من كونها سعياً لإحياء التحالف القديم.
 
من يقرأ خطاب القيادة السورية الجديدة يلاحظ أنها تحاول تكريس تحول جوهري في طبيعة الدولة السورية.
 
فالسلطة الجديدة تسعى إلى بناء علاقاتها الخارجية وفق مفهوم "الدولة إلى الدولة"، بعيداً عن شبكات النفوذ التي طبعت السنوات السابقة. ولهذا، تؤكد باستمرار أن علاقتها مع لبنان يجب أن تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر القوى السياسية أو العسكرية.
 
ولا يعني ذلك رفض التواصل مع حزب الله، وإنما وضعه ضمن إطار مختلف، يخضع لأولويات الأمن القومي السوري، واحترام السيادة، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، ومنع استخدام الأراضي السورية في أي نشاط يهدد استقرارها.
 
وبهذا المعنى، فإن دمشق لا تفاوض حزب الله بوصفه شريكاً استراتيجياً، بل باعتباره فاعلاً لبنانياً مؤثراً يجب تنظيم العلاقة معه بما يخدم المصالح السورية أولاً.
 
الملفات التي قد تفتح باب التعاون
 
إذا وصل الحوار إلى مرحلة أكثر تقدماً، فمن المرجح أن يتركز حول ملفات عملية لا أيديولوجية.
 
في مقدمة هذه الملفات يأتي أمن الحدود، ومنع تهريب السلاح والمخدرات، وضبط المعابر غير الشرعية، إضافة إلى التعاون في ملف عودة النازحين، والتنسيق الاقتصادي، وإعادة تنشيط حركة التجارة والنقل بين البلدين.
 
في المقابل، ستبقى ملفات مثل سلاح حزب الله، ومستقبل بنيته العسكرية، ودوره الإقليمي، خارج إطار أي تفاهم مباشر، باعتبارها ترتبط بتوازنات لبنانية وإقليمية تتجاوز العلاقة الثنائية بين الحزب ودمشق.
 
العامل التركي... متغير لا يمكن تجاهله
 
لا يمكن فهم هذا التقارب بمعزل عن التحول الذي أحدثه الحضور التركي في سوريا.
 
فأنقرة أصبحت أحد أبرز الفاعلين في المشهد السوري، وهي معنية بتثبيت الاستقرار الداخلي، وضبط الحدود، ومنع انفجار الساحة اللبنانية بما ينعكس على الأمن السوري.
 
ومن هنا، تبدو تركيا داعمة لأي تفاهم يخفف التوتر بين دمشق والقوى اللبنانية، شرط ألا يتعارض ذلك مع مشروع الدولة السورية الجديدة، أو يعيد إنتاج منظومة النفوذ السابقة.
 
وبالتالي، فإن أي انفتاح بين دمشق وحزب الله لن يكون قراراً سورياً صرفاً، بل سيكون جزءاً من شبكة توازنات إقليمية تأخذ في الاعتبار الموقف التركي، والانفتاح العربي على سوريا، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن استمرار المواجهة بين إيران وإسرائيل.
 
هل يعود التحالف القديم؟
 
المعطيات الحالية تشير إلى أن العودة إلى صيغة التحالف التي حكمت العلاقة قبل عام 2024 تبدو مستبعدة.
 
فسوريا الجديدة ليست سوريا الأسد، وحزب الله نفسه لم يعد يمتلك هامش الحركة الذي كان يتمتع به قبل سنوات. كما أن البيئة الإقليمية تغيرت بصورة تجعل إعادة إنتاج المحاور القديمة أمراً بالغ الصعوبة.
 
لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بناء علاقة براغماتية محدودة، تقوم على إدارة المصالح المشتركة، وتجنب التصعيد، وضبط الحدود، مع بقاء الخلافات السياسية والأمنية قائمة.
 
المشهد الراهن لا يعكس مصالحة كاملة ولا استمراراً للقطيعة، بل يمثل بداية مرحلة انتقالية يعيد خلالها الطرفان تعريف علاقتهما وفق قواعد جديدة فرضتها التحولات الإقليمية.
 
لقد انتقلت العلاقة من منطق التحالف الاستراتيجي إلى منطق إدارة المصالح، ومن مفهوم المحور إلى مفهوم الدولة، ومن التعاون غير المشروط إلى التعاون الانتقائي.
 
وبقدر ما تبدو تصريحات الطرفين بداية لكسر الجليد، فإن مستقبل هذا المسار سيبقى مرهوناً بعوامل تتجاوز إرادتهما، وفي مقدمتها مسار الدولة السورية الجديدة، ومستقبل الداخل اللبناني، والتوازنات الإقليمية، ومآلات الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي.
 
وعليه، فإن ما يجري اليوم ليس عودة إلى الماضي، بل محاولة لبناء علاقة جديدة تحكمها البراغماتية السياسية أكثر مما تحكمها التحالفات الأيديولوجية، وهي علاقة قد تتطور تدريجياً، لكنها لن تعود إلى الصورة التي عرفتها المنطقة طوال العقدين الماضيين.
 
رقم : 1297467
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم