ففي وقت كانت فيه الوفود اللبنانية والإسرائيلية تخوض الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة في العاصمة الإيطالية روما، شهد الجنوب اللبناني تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا، حيث شنّ الاحتلال سلسلة غارات جوية وقصفًا مدفعيًا طال عددًا من البلدات، في خرق جديد للتفاهمات القائمة، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين له في المنطقة، في أول خسارة بشرية يعلن عنها منذ أكثر من شهر.
ويأتي التصعيد في ظل دخول مفاوضات روما، التي تُعقد برعاية أمريكية، مرحلة دقيقة، مع استمرار الضغوط الإسرائيلية ومحاولات فرض شروط أمنية وسياسية على لبنان، فيما يتمسك الجانب اللبناني بضرورة إنهاء الاحتلال وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الجنوبية، وسط استمرار نقاط الخلاف الأساسية التي تعرقل مسار المباحثات.
وفي مؤشر على التوتر داخل الجانب الإسرائيلي، أفادت مصادر من الوفد المفاوض بأن تل أبيب طلبت من الوسيط الأمريكي إنهاء جلسة التفاوض قبل موعدها المحدد، فيما شنّ السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر هجومًا على ما وصفه بـ"التسريبات" الصادرة عن الوفد اللبناني، على أن تُستأنف المحادثات الخميس.
وتأتي هذه المفاوضات في ظل رفض حزب الله للاتفاق الإطار المطروح بين بيروت وتل أبيب، والذي يتضمن بنودًا مرتبطة بسلاح المقاومة والانتشار العسكري جنوب لبنان، معتبرًا أن المسار التفاوضي بصيغته الحالية يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والتنازلات على حساب السيادة اللبنانية.
وكان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قد أكد أن المفاوضات المباشرة "لن تجلب للبنان إلا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية"، مشددًا على رفض أي مسار ينتقص من حقوق لبنان أو يمنح الاحتلال مكاسب سياسية تحت ضغط العدوان.
الاحتلال يصعّد غاراته على الجنوب
ميدانيًا، شهدت منطقة صور والبلدات الجنوبية ليلة من أعنف الليالي خلال الأسابيع الماضية، مع تصعيد الاحتلال لاعتداءاته عبر الغارات الجوية والقصف المدفعي.
وفي بلدة البرج الشمالي، نفذت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية ثلاث غارات استهدفت أحد الأحياء، قبل أن يشن الطيران الحربي غارة إضافية على المكان نفسه، ما أدى إلى إصابة أربعة مواطنين.
كما تعرضت بلدة المنصوري، التي سبق أن وجه الاحتلال إنذارات لسكانها، لسلسلة غارات جوية ترافقت مع قصف مدفعي ونيران دبابات إسرائيلية، في تصعيد اعتبره الأهالي محاولة جديدة لترهيب السكان والضغط على الجنوب اللبناني.
من جهته، أعلن جيش الاحتلال تنفيذ ما وصفها بـ"الضربات الدقيقة" في جنوب لبنان، زاعمًا أنها جاءت ردًا على ما سماه "انتهاكًا لوقف إطلاق النار"، فيما لم يصدر عن حزب الله تعليق بشأن التطورات الميدانية الأخيرة.
العدوان مستمر رغم التفاهمات
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من استشهاد مواطن وإصابة 12 آخرين جراء غارة إسرائيلية استهدفت مصلّى داخل جبانة في بلدة تبنين الجنوبية، في اعتداء أثار استنكارًا واسعًا بسبب استهداف موقع ديني ومدني.
ومنذ بدء الحرب، خلف العدوان الإسرائيلي دمارًا واسعًا في مناطق عدة، خصوصًا في جنوب لبنان، حيث أعلنت السلطات اللبنانية سقوط أكثر من 4300 شهيد.
ورغم تراجع وتيرة المواجهات بعد التفاهمات السياسية الأخيرة، فإن الاحتلال واصل خروقاته عبر الغارات والقصف وأعمال التفجير والهدم في القرى الحدودية، ما أبقى حالة التوتر قائمة في الجنوب.
وأشارت تقارير أممية إلى أن تداعيات الحرب تركت آثارًا كبيرة على البنية التحتية، ولا سيما شبكات المياه والكهرباء، حيث يواجه مئات الآلاف من أبناء الجنوب صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية.
ورغم عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى بلداتهم، لا تزال القرى الجنوبية تعيش تداعيات العدوان، وسط استمرار المواجهة السياسية والأمنية حول مستقبل المنطقة، في ظل تمسك المقاومة برفض أي ترتيبات تنتقص من سيادة لبنان أو تمنح الاحتلال مكاسب جديدة.