وبحسب المنظمة، فإن الضربات الأولى التي استهدفت مواقع إيرانية لم تؤدِ إلى حصر المواجهة داخل الأراضي الإيرانية، بل ساهمت في توسيع نطاقها إلى الخليج العربي، بعدما أصبحت المنشآت والقواعد والمصالح المرتبطة بالوجود العسكري الأميركي جزءًا من معادلة الصراع.
وترى المنظمة أن التطورات الأخيرة تفرض إعادة النظر في طبيعة النموذج الأمني الذي اعتمدته دول الخليج طوال العقود الماضية، خصوصًا أن استضافة القواعد العسكرية الأجنبية لم تمنع وصول تداعيات الحرب إلى العمق الاقتصادي والمنشآت الحيوية في المنطقة.
القواعد الأميركية.. من مظلة أمنية إلى مصدر تهديد
تشير المنظمة إلى أن دول الخليج بنت جانبًا أساسيًا من أمنها على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، واستضافة قواعد ومنشآت عسكرية أميركية وغربية، باعتبارها عنصر ردع في مواجهة التهديدات الإقليمية.
إلا أن التطورات الأخيرة، وفق قراءتها، أظهرت وجهًا آخر لهذه المعادلة، إذ باتت تلك القواعد والمرافق العسكرية عاملًا يمكن أن يربط الدول المضيفة مباشرة بأي مواجهة بين واشنطن وطهران.
وتلفت المنظمة إلى أن إيران طورت خلال السنوات الماضية ما تصفه بـ"الدفاع الفسيفسائي اللامركزي"، القائم على توزيع القدرات الهجومية والدفاعية واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن منظومة واسعة تسمح باستهداف نقاط متعددة في حال تعرضها لهجوم.
وبذلك، لم يعد مسرح المواجهة محصورًا في الحدود الجغرافية لإيران، بل باتت القواعد والمنشآت المرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة جزءًا من حسابات الردع والرد المتبادل.
ثغرة في منظومة الدفاع الخليجي
وترى "أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان" أن التطورات الأخيرة كشفت عن فجوة بين الخطاب الرسمي حول الجاهزية الدفاعية الخليجية وبين قدرة هذه المنظومات على التعامل مع هجمات واسعة النطاق وغير تقليدية.
فبالرغم من امتلاك دول الخليج منظومات دفاع جوي متقدمة وإنفاقها مليارات الدولارات على التسليح، فإن انتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة وتعدد مسارات الهجوم يجعل من الصعب حماية جميع المنشآت الحيوية في الوقت نفسه.
وبحسب المنظمة، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة منظومة دفاعية معينة على اعتراض صاروخ أو طائرة مسيّرة، وإنما بطبيعة الجغرافيا الخليجية نفسها، حيث توجد منشآت الطاقة والموانئ والمطارات ومرافق تحلية المياه وشبكات الاتصالات في مساحة جغرافية محدودة ومترابطة.
وهذا يجعل أي تصعيد عسكري واسع قادرًا على إحداث تأثيرات تتجاوز الهدف العسكري المباشر، لتصل إلى الاقتصاد وسلاسل الإمداد والطاقة والحياة اليومية للسكان.
منشآت النفط والغاز في مرمى التصعيد
وفي هذا السياق، تشير المنظمة إلى أن موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة طالت منشآت حيوية مرتبطة بقطاع الطاقة في عدد من دول الخليج.
وتتحدث المعلومات التي قدمتها المنظمة عن اضطرابات وأضرار طالت منشآت ومصافي نفط وغاز، من بينها مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو السعودية، ومصفاة ميناء الأحمدي في الكويت، ومنشآت تابعة لشركة بابكو في البحرين، إضافة إلى منشآت الغاز في مجمع رأس لفان في قطر.
وتؤكد المنظمة أن استهداف هذه المنشآت لا يحمل تداعيات عسكرية فقط، إذ إن أي اضطراب في إنتاج النفط أو الغاز أو تخزينهما أو نقلهما يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة اقتصادية ذات أبعاد دولية.
وتكتسب منشآت الطاقة الخليجية أهمية استثنائية بسبب الدور الذي تؤديه المنطقة في تأمين جانب كبير من إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيها قادرًا على التأثير في الأسعار والأسواق وسلاسل التوريد الدولية.
السعودية وقطر في قلب تداعيات أزمة الطاقة
وتشير المنظمة إلى أن الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة السعودية تمثل قضية ذات أهمية خاصة، بالنظر إلى موقع المملكة كأحد أكبر منتجي ومصدري النفط عالميًا.
فأي انخفاض في قدرة منشآت الإنتاج أو التكرير أو التخزين والنقل على العمل يمكن أن ينعكس على حجم الإمدادات المتاحة للأسواق، خصوصًا في ظل حساسية أسواق النفط لأي اضطراب جيوسياسي.
أما في قطر، فتلفت المنظمة إلى أن الأضرار التي طالت مجمع رأس لفان انعكست على إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق العالمية، ولا سيما أن الغاز القطري يمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الإمدادات الدولية.
وبذلك، تتحول المنشآت التي تمثل مصدر القوة الاقتصادية لدول الخليج إلى نقاط ضعف استراتيجية عندما تصبح الحرب قادرة على الوصول إليها.
المفارقة النفطية
وتضع المنظمة هذه التطورات في إطار مفارقة أوسع، مفادها أن الموارد التي منحت دول الخليج نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي العالمي تحولت في ظروف الحرب إلى أحد أبرز مصادر تعرضها للخطر.
فالاقتصادات الخليجية بنت جزءًا كبيرًا من قوتها على إنتاج النفط والغاز وتصديرهما، كما أن شبكات الموانئ وخطوط الأنابيب ومصافي التكرير ومحطات الغاز تمثل العمود الفقري لهذه القوة.
لكن هذه البنية نفسها تصبح أهدافًا استراتيجية في أي حرب واسعة، ما يعني أن حماية الاقتصاد الخليجي لا يمكن أن تنفصل عن حماية منشآت الطاقة.
وترى المنظمة أن التجربة الأخيرة تظهر حدود نموذج أمني يعتمد على الجمع بين صادرات الوقود الأحفوري والوجود العسكري الأجنبي، إذ إن القوة العسكرية الخارجية لم تمنع انتقال آثار الصراع إلى قلب البنية الاقتصادية لدول المنطقة.
مضيق هرمز.. الحلقة الأكثر حساسية
ولا تتوقف التداعيات عند المنشآت البرية، إذ تشير المنظمة إلى امتداد المواجهة إلى الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم طرق نقل النفط والغاز والتجارة الدولية.
وبحسب المنظمة، فإن أي اضطراب في حركة السفن عبر المضيق ستكون له انعكاسات تتجاوز دول الخليج، لتصل إلى الأسواق العالمية، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن واحتمال اضطراب حركة ناقلات النفط والغاز.
كما تحذر من المخاطر البيئية الناجمة عن تعرض ناقلات النفط والمنشآت البحرية لهجمات، إذ إن تسرب كميات كبيرة من النفط الخام في مياه الخليج يمكن أن يخلق أزمة بيئية تتجاوز آثارها حدود الدولة التي وقع فيها الحادث.
الجانب البيئي للحرب
وتولي المنظمة اهتمامًا خاصًا لما تعتبره جانبًا مهمًا غالبًا ما يتم تجاهله في النقاش حول الحرب، وهو التداعيات البيئية.
فاستهداف المصافي ومنشآت معالجة النفط والغاز يمكن أن يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الملوثات والانبعاثات في الغلاف الجوي، إضافة إلى احتمال تسرب المواد النفطية والكيماوية إلى البيئة المحيطة.
وتزداد خطورة هذه الأضرار في منطقة الخليج، حيث البيئة البحرية شديدة الحساسية، والمياه الإقليمية متقاربة، وأي تسرب نفطي واسع قد يمتد بسرعة إلى مناطق ودول متعددة.
وترى المنظمة أن التركيز الدولي على استقرار أسواق الطاقة يجب ألا يحجب الأضرار الإنسانية والبيئية التي تتحملها المجتمعات المحلية نتيجة العمليات العسكرية.
من يدفع ثمن حماية الاقتصاد العالمي؟
وتطرح المنظمة سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الأولويات الدولية خلال الأزمات: هل ينصب الاهتمام على حماية تدفق النفط والغاز والأسواق العالمية، أم على حماية السكان والبيئة والبنية المدنية؟
وترى أن التطورات الأخيرة كشفت مفارقة صارخة، إذ باتت دول الخليج مطالبة من جهة بالحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، بينما تتحمل من جهة أخرى مخاطر مباشرة على منشآتها وسكانها وبيئتها.
وفي هذا السياق، تعتبر المنظمة أن الأزمة تمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق منتجي الطاقة في الخليج، والقوى الغربية المستفيدة من النفط والغاز، والجهات التي بنت منظومة أمنية إقليمية قائمة على الوجود العسكري الأجنبي.
نموذج أمني يحتاج إلى مراجعة
وتخلص منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين إلى أن التطورات العسكرية الأخيرة تكشف الحاجة إلى مراجعة عميقة للنموذج الأمني الذي يحكم منطقة الخليج.
فمن وجهة نظر المنظمة، لم يعد كافيًا امتلاك كميات ضخمة من الأسلحة أو استضافة قواعد عسكرية أجنبية لضمان الأمن، طالما أن أي مواجهة بين القوى الكبرى والإقليمية يمكن أن تحول الدول المضيفة إلى ساحات مباشرة للصراع.
وترى أن أمن الخليج لا يمكن أن يقوم فقط على الردع العسكري، بل يحتاج إلى مقاربة إقليمية تضع خفض التصعيد والحوار وحماية المنشآت المدنية والبيئة في صلب أولوياتها.
وفي المحصلة، تعتبر المنظمة أن ما جرى يمثل إنذارًا استراتيجيًا لدول الخليج: فالنفط والغاز اللذان منحا المنطقة ثقلها العالمي، والقواعد العسكرية التي قُدمت لعقود باعتبارها مظلة أمنية، يمكن أن يتحولا في لحظة الحرب إلى نقاط ضعف تستهدف الاقتصاد والمجتمع والبيئة في آن واحد.