0
الخميس 27 آب 2026 ساعة 13:29

تصريح توم براك يكشف أن مفتاح إنهاء الحرب يتجاوز بيروت

تصريح توم براك يكشف أن مفتاح إنهاء الحرب يتجاوز بيروت
رأى المبعوث الأميركي توم براك أن جمع القوى اللبنانية حول طاولة واحدة لن يكون كافيًا إذا بقيت إيران وحزب الله خارج المعادلة، متسائلًا بصورة مباشرة: كيف يمكن الوصول إلى نهاية فعلية للملف إذا لم يشارك الطرفان؟ ومن هنا تبدأ القراءة الأعمق لتصريحه، التي تتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي الظرفي إلى سؤال جوهري يتعلق بمن يمتلك القدرة الفعلية على إنهاء الحرب وضمان عدم تجددها.

من سؤال «من يمثل لبنان؟» إلى سؤال «من يملك القدرة على إنهاء الحرب؟»
المشكلة في مقاربة الملف اللبناني منذ اندلاع الحرب لا تتعلق فقط بشكل المفاوضات أو بمن يجلس إلى الطاولة، بل بتحديد الأطراف القادرة فعليًا على إنتاج وقف مستدام لإطلاق النار. صحيح أن الدولة اللبنانية هي الجهة الدستورية والسياسية المخولة بالتفاوض باسم لبنان، وهذه مسألة سيادية لا خلاف عليها، لكن التفاوض الرسمي يختلف عن القدرة على ضمان تنفيذ أي تفاهم على الأرض، وهو تمييز أساسي في أي تسوية جدية.

فإذا كان المطلوب إنهاء حرب ذات أبعاد إقليمية، ووقف العمليات العسكرية، وترتيب الانسحاب الإسرائيلي، وضمان الهدوء على الحدود، ومعالجة ملف السلاح ومنع تجدد المواجهة، فإن تجاوز القوى التي تمتلك نفوذًا مباشرًا في هذه الملفات لن يؤدي سوى إلى إنتاج اتفاق ناقص ومهدد بالسقوط.

وهنا تكتسب عبارة براك دلالتها. فهو لا يقول بالضرورة إن إيران يجب أن تحل محل الدولة اللبنانية، أو إن حزب الله ينبغي أن يحل محل المؤسسات اللبنانية، بل يقر، بصورة أكثر واقعية، بأن استبعادهما لا يقود إلى حل. وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

الدولة اللبنانية تفاوض، لكنها تحتاج إلى تفاهم مع أصحاب التأثير
يستطيع لبنان التمسك بحقه في أن تكون الدولة صاحبة القرار السياسي والدبلوماسي، وفي الوقت نفسه أن يدرك أن إعلان الدولة رغبتها في إنهاء الحرب لا يكفي وحده لإنهائها. فالقرار السياسي يحتاج إلى تفاهمات داخلية، وهذه التفاهمات تتطلب قبول القوى المؤثرة، فيما تحتاج التسوية الأمنية إلى ضمانات من الأطراف القادرة على التأثير في مسار المواجهة.

وهذا لا ينتقص من سيادة الدولة، بل يعكس واقعية التفاوض.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الرئيس جوزاف عون يدفع باتجاه مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، في وقت تواصل فيه واشنطن دعم هذا المسار. وكان عون قد أعلن في 17 آب أن لبنان لا يتراجع عن صيغة الإطار التي توصل إليها مع إسرائيل، مع التعويل على الدور الأميركي في تنفيذها.

لكن السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع الدولة اللبنانية وحدها تحويل أي اتفاق إلى سلام فعلي إذا بقي الطرف الأساسي في المعادلة العسكرية والسياسية خارج التسوية؟ هنا يأتي تصريح براك ليقدم، من داخل الإدارة الأميركية نفسها، إجابة تحمل قدرًا واضحًا من الواقعية السياسية.

لماذا إيران تحديدًا؟
قد يبدو إدخال إيران في المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية للوهلة الأولى عاملًا إضافيًا للتعقيد، لكن النظر إلى المشهد الإقليمي يوضح الصورة أكثر. فلبنان لم يعد يعيش أزمة حدودية منفصلة عن محيطه، والجنوب اللبناني بات منذ سنوات جزءًا من شبكة أمنية وسياسية إقليمية تمتد من بيروت إلى طهران، مرورًا بساحات أخرى في المنطقة.

وفي المقابل، لا تنظر إسرائيل إلى حزب الله باعتباره مجرد ملف لبناني داخلي، بل تتعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة. والولايات المتحدة نفسها تؤكد هذا الترابط في سياساتها. ففي 20 آب، أعلنت واشنطن عقوبات جديدة على حزب الله، وربطت في بيانها بين الحزب والحرس الثوري الإيراني، بما يعكس نظرة أميركية إلى الملف اللبناني من زاوية أوسع ترتبط بالمواجهة مع إيران.

وبالتالي، عندما تربط واشنطن نفسها حزب الله بإيران، وعندما تعتبر إسرائيل أن أمن جبهتها الشمالية مرتبط بالحزب وإيران، يصبح من الصعب منطقيًا الادعاء بأن طهران لا علاقة لها بالتسوية التي يفترض أن تنهي الحرب.

المفارقة الأميركية
هنا تظهر المفارقة الأبرز في المقاربة الأميركية. فمن جهة، تدفع واشنطن باتجاه حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتدعم الرئيس عون في تعزيز سلطة الدولة، ومن جهة أخرى، يقول مبعوثها إن الوصول إلى حل يصبح متعذرًا إذا بقي حزب الله وإيران خارج المعادلة.

قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه يكشف في الواقع الفارق بين هدف سياسي طويل الأمد وحاجة تفاوضية عاجلة. فقد ترغب واشنطن في أن تصبح الدولة اللبنانية صاحبة القرار الأمني والعسكري الحصري مستقبلًا، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن بلوغ هذه المرحلة لا يمكن أن يتحقق بمجرد إصدار قرارات سياسية، لأن الواقع اللبناني أكثر تعقيدًا.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن تشارك إيران وحزب الله بدلًا من الدولة؟ بل: كيف يمكن إشراكهما ضمن تسوية تقود في نهايتها إلى تعزيز الدولة لا إلى إضعافها؟ وهذه هي الصيغة الأكثر واقعية للخروج من المأزق.

لا يمكن فرض اتفاق على طرف يُطلب منه تنفيذه من دون أن يشارك في صياغته
هذه قاعدة تفاوضية تكاد تكون بديهية. فإذا كانت التسوية ستفرض التزامات على حزب الله، فمن الطبيعي أن يكون له دور في التفاهم الذي سينتج هذه الالتزامات. وإذا كان جزء من التسوية يرتبط بالعلاقة اللبنانية ـ الإيرانية، فمن الصعب تجاهل طهران. وإذا كانت ملفات أخرى تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي والحدود والترتيبات الأمنية، فإن إسرائيل ستكون طرفًا مباشرًا فيها. أما إذا كان التنفيذ يحتاج إلى ضمانات دولية، فإن الولايات المتحدة والقوى الدولية تصبح بدورها جزءًا من منظومة الضمانات.

وبذلك لا تعود المعادلة مجرد «لبنان + إسرائيل = حل»، بل تصبح أقرب إلى: لبنان + إسرائيل + القوى المؤثرة في لبنان والمنطقة + ضمانات دولية = فرصة حقيقية لتسوية قابلة للحياة.

وهذا لا يعني تحويل لبنان إلى ساحة إقليمية جديدة، بل محاولة إخراجه من حرب إقليمية عبر الاعتراف بطبيعتها الفعلية.

أخطر ما يمكن فعله هو التفاوض مع صورة لبنان لا مع لبنان الحقيقي
قد يكون من السهل سياسيًا القول إن الدولة اللبنانية هي الطرف الوحيد الذي ينبغي أن يتفاوض، لكن السياسة الواقعية لا تتعامل مع الأمنيات، بل مع موازين القوى. فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران أن حزب الله وإيران جزء من المشكلة، فإن المنطق نفسه يقتضي التعامل معهما باعتبارهما جزءًا من أي حل محتمل.

وإلا فقد يتحول الاتفاق إلى وثيقة سياسية لا تملك القدرة الفعلية على وقف الحرب.
يمكن للحكومات أن توقع الاتفاقات، ويمكن للوفود أن تتبادل المصافحات، ويمكن لواشنطن أن تعلن نجاح وساطتها، لكن إذا بقيت جذور الصراع من دون معالجة، فإن المواجهة قد تعود عند أول أزمة إقليمية جديدة.

توقيت كلام براك ليس تفصيلًا
أهمية تصريح براك لا تكمن في مضمونه فقط، بل في توقيته أيضًا. فقد جاء في مرحلة يحاول فيها الرئيس عون تثبيت مسار تفاوضي مع إسرائيل، بينما تستمر واشنطن في الدفع نحو تنفيذ ترتيبات الإطار، بالتوازي مع استمرار التجاذب السياسي والأمني حول ملف سلاح حزب الله.

من هنا يمكن قراءة كلام براك باعتباره رسالة إلى مختلف الأطراف: لا يمكن إنهاء الأزمة اللبنانية عبر مسار أحادي الجانب.

وهذا لا يعني أن واشنطن غيّرت سياستها تجاه حزب الله أو إيران. فالعقوبات الأميركية الأخيرة تؤكد استمرار سياسة الضغط، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الضغط والعقوبات قد يكونان أدوات تفاوض، لا بديلًا عن التسوية نفسها.

منطق «الضغط أولًا ثم التفاوض» أمام اختبار الواقع
اعتمدت السياسة الأميركية طويلًا على الضغط لدفع الخصوم إلى تقديم تنازلات، لكن التجربة اللبنانية تظهر أن الضغط وحده قد لا يكون كافيًا.

فإذا كان الهدف النهائي هو نزع فتيل الحرب، فإن استبعاد حزب الله وإيران من العملية السياسية لن يؤدي إلى اختفاء تأثيرهما. بل قد تكون النتيجة معاكسة، إذ إن شعور أي طرف بأنه مستبعد من التسوية التي ستحدد مستقبله قد يدفعه إلى رفضها أو تعطيلها.

ومن هنا، فإن الاعتراف بدور إيران والحزب لا يعني بالضرورة تقديم تنازل لهما، بل يمكن أن يكون وسيلة لإدخالهما في مسار تفاوضي يسمح بالحصول على تنازلات منهما مقابل تنازلات من الطرف الآخر. وهذا هو جوهر أي عملية تفاوضية قابلة للاستمرار.

إيران ليست المشكلة وحدها، وإسرائيل ليست خارج المعادلة
إذا كان المطلوب من إيران المساهمة في إنهاء الحرب، فإن المطلوب أيضًا من إسرائيل تقديم ما يجعل التسوية قابلة للقبول لدى الجانب اللبناني والإيراني.

لا يمكن أن يتحول التفاوض إلى آلية للحصول على تنازلات لبنانية في ملف السلاح، فيما تبقى قضايا الانسحاب الإسرائيلي والاعتداءات والضمانات الأمنية معلقة. وكان الرئيس عون قد ربط انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة بتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها وإنهاء المظاهر المسلحة.

وهذه المعادلة يفترض أن تكون في صلب أي تسوية: انسحاب مقابل ترتيبات أمنية، وضمانات مقابل التزامات، ووقف الاعتداءات مقابل إجراءات لبنانية قابلة للتحقق. أما مطالبة طرف واحد بتقديم كل شيء مسبقًا، فلا تبدو مفاوضات بقدر ما تبدو محاولة لفرض شروط استسلام.

المطلوب ليس «طاولة إيرانية» بل مسار إقليمي متعدد المستويات
قد يكون الخطأ في تفسير كلام براك هو الاعتقاد بأن إشراك إيران يعني بالضرورة وضعها على طاولة لبنانية ـ إسرائيلية واحدة. والأكثر واقعية قد يكون اعتماد مسارين متوازيين:
مسار لبناني ـ إسرائيلي يعالج الحدود والانسحاب والاعتداءات والترتيبات الأمنية، ومسار أميركي ـ إيراني يتناول الملفات الإقليمية الأوسع التي تؤثر مباشرة في الساحة اللبنانية.

أما حزب الله، فيمكن أن يشارك في المسار اللبناني الداخلي بوصفه طرفًا لبنانيًا يمتلك وزنًا سياسيًا وشعبيًا وعسكريًا، بما يسمح بالتفاهم على آليات تنفيذ أي تسوية.

بهذه الصيغة، لا تتحول الدولة اللبنانية إلى مجرد واجهة لتفاوض الآخرين، ولا يصبح الحزب بديلًا عن الدولة، ولا تتحول إيران إلى صاحبة القرار في لبنان. بل تصبح المعادلة أكثر عقلانية: الدولة تفاوض باسم لبنان، والحزب يشارك في ضمان التنفيذ، وإيران تدخل من البوابة الإقليمية المرتبطة بجذور الأزمة.

ما بعد براك: هل نقترب من الاعتراف بأن الحرب إقليمية؟
تكمن أهمية تصريح براك في أنه نقل النقاش من سؤال «من يفاوض إسرائيل؟» إلى سؤال أعمق: «من يستطيع إنهاء الحرب؟». وهذان سؤالان مختلفان.

قد تكون الدولة اللبنانية الجهة التي تفاوض باسم لبنان، وهذا حق سيادي لا خلاف عليه.

لكن الدبلوماسية لا تستطيع تجاهل موازين القوى الحقيقية. وفي المقابل، لا تستطيع إيران التحدث باسم لبنان، كما لا يستطيع حزب الله أن يحل محل الدولة.

الحل الأكثر واقعية هو الجمع بين الأمرين: دولة لبنانية صاحبة القرار السياسي، ومسار تفاوضي شامل يعترف بجميع القوى القادرة فعليًا على تعطيل الحرب أو المساهمة في إنهائها.

الاعتراف بالواقع قد يكون الطريق إلى تغييره
ربما يكون أبرز ما كشفه تصريح توم براك، من دون أن يقصد، أن الحرب في لبنان لم تعد قابلة للحل بالمعادلة التقليدية. فلا يكفي أن تجلس بيروت وتل أبيب إلى الطاولة، ولا يكفي أن تضغط واشنطن على لبنان، ولا يكفي أن تطالب إسرائيل بنزع سلاح حزب الله، كما لا يكفي أن تعلن طهران دعمها للبنان. فجميع هذه الأطراف موجودة في المعادلة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لذلك، فإن الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الحرب يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: لا يمكن صياغة تسوية في لبنان ضد طرف يمتلك القدرة على إفشالها، كما لا يمكن في الوقت نفسه صياغتها على حساب الدولة اللبنانية.

المعادلة ليست «إيران أو لبنان»، ولا «حزب الله أو الدولة». المعادلة الأكثر واقعية هي: لبنان أولًا، ولكن من خلال تسوية لا تتجاهل إيران ولا حزب الله.

وإذا كان كلام براك قد أربك المسار التفاوضي، فإن قيمته السياسية الأهم ربما تكمن في كشف حدود هذا المسار: لا يمكن اختزال حرب ذات امتدادات إقليمية داخل الحدود اللبنانية، ثم مطالبة اللبنانيين وحدهم بإنتاج «السلام».

فالسلام الحقيقي يحتاج إلى من يفاوض، ومن يضمن، ومن يلتزم، ومن يمتلك القدرة على وقف النار. ومن هنا، فإن إشراك إيران وحزب الله في صناعة التسوية لا يعني بالضرورة تسليم لبنان للخارج، بل قد يكون، إذا أُحسن تصميمه، الطريق الأكثر واقعية لإخراج لبنان من حرب تتجاوز قدرة طرف واحد على إنهائها.
رقم : 1301831
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم