أهمية هذا التقييم لا تكمن فقط في نظرة بوتين إلى واشنطن، بل في ما يمكن أن يترتب عليها من سلوك روسي. فموسكو قد ترى في انشغال الولايات المتحدة بالشرق الأوسط فرصة لاختبار مدى التزامها تجاه أوروبا وأوكرانيا، أو لرفع سقف الضغط من دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع قوة أميركية في كامل جاهزيتها.
الاستنزاف يضغط على الردع
الحرب الطويلة استنزفت جزءاً من مخزونات الأسلحة الأميركية، من صواريخ «باتريوت» ومنظومات الدفاع الجوي، إلى صواريخ «توماهوك» والأسلحة التكتيكية، فضلاً عن خسارة نحو ربع طائرات «ريبر» المسيّرة وفق التقارير الواردة.
وهذه الأرقام تتجاوز بعدها العسكري؛ إذ تمس جوهر الردع الأميركي. فالقوة لا تُقاس فقط بما تملكه واشنطن من أسلحة، بل بقدرتها على الحفاظ على مخزون كافٍ منها في حال اندلاع أزمات متزامنة.
وتزداد حساسية المسألة مع قلق حلفاء الولايات المتحدة في آسيا من تراجع قدرتها على التركيز في المحيط الهادئ، ولا سيما في ظل احتمال تصاعد التوتر مع الصين.
زيارة راتكليف... رسائل أبعد من موسكو
في هذا السياق، تكتسب الزيارة السرية التي أجراها مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى موسكو أهمية خاصة. فوجود قناة اتصال استخبارية في مرحلة تتحدث فيها التقديرات الأميركية عن اعتقاد روسي بأن واشنطن منهكة، يعكس إدراك الطرفين لحساسية المرحلة.
لكن الرسالة الأهم قد تكون في مكان آخر: إذا كانت موسكو تعتقد فعلاً أن الولايات المتحدة «لا تستطيع التدخل»، فقد تصبح أكثر استعداداً لاختبار حدود النفوذ الأميركي، سواء في أوكرانيا أو أوروبا أو عبر عمليات ضغط غير مباشرة.
اختبار حقيقي للردع الأميركي
المعضلة أمام واشنطن أن استمرار الحرب على إيران لا يستهلك الذخائر فقط، بل يستهلك الانتباه والموارد والقدرة على التحرك في ساحات أخرى. وكلما طال الصراع، ازدادت الحاجة إلى موازنة الأولويات بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
لذلك، فإن الخطر الأكبر ليس بالضرورة أن تبادر روسيا إلى مواجهة مباشرة، بل أن تستنتج أن كلفة اختبار الولايات المتحدة أصبحت أقل.
وهنا تتحول حرب إيران من صراع إقليمي إلى اختبار عالمي للردع الأميركيهل تستطيع واشنطن الحفاظ على صورة القوة القادرة على خوض حرب طويلة في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه إبقاء خصومها مقتنعين بأنها مستعدة وقادرة على التدخل في أي جبهة أخرى؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مسار الحرب مع إيران، بل أيضاً سلوك موسكو وبكين وحسابات الحلفاء والخصوم في المرحلة المقبلة.