0
الثلاثاء 1 أيلول 2026 ساعة 13:45

هل استنزفت المواجهة مع إيران مخزون واشنطن الصاروخي وأربكت حساباتها العسكرية؟

هل استنزفت المواجهة مع إيران مخزون واشنطن الصاروخي وأربكت حساباتها العسكرية؟
حمل اللقاء رسالة واضحة وقاسية إلى قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية: إن انتهاء الحرب الباردة لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل بداية لتحول عميق فرض تقليص الإنفاق العسكري وإعادة تشكيل القطاع على قاعدة الانكماش والاندماج، وهو ما ترك واشنطن أمام قاعدة صناعية أقل قدرة على التعامل مع حروب طويلة وعالية الكثافة.

وكان نورمان أوغستين، رئيس شركة "مارتن مارييتا" آنذاك، صاحب تسمية اللقاء بـ"العشاء الأخير"، في إشارة بدت لاحقاً أقرب إلى نبوءة. فخلال سنوات قليلة، اختفت أسماء العديد من الشركات التي كان يمثلها المشاركون، بعد اندماجها في عدد محدود من الكيانات العملاقة، ما أدى إلى تركّز القدرات التصنيعية والعسكرية الأمريكية في أيدي شركات أقل عدداً.

ولم تتمكن حربا العراق وأفغانستان من عكس هذا المسار بصورة جوهرية. فعلى الرغم من ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي، لم تتطلب طبيعة هاتين الحربين تعبئة صناعية واسعة ومستدامة لخوض مواجهة تقليدية كثيفة بالصواريخ مع قوة كبرى. وفي المقابل، استمرت عمليات الاندماج التي قلّصت عدد الشركات القادرة على تصنيع المنظومات والأسلحة المعقدة.

وبحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية صدر عام 2022، انخفض عدد كبار المتعاقدين في قطاعي الطيران والدفاع من 51 شركة خلال تسعينيات القرن الماضي إلى خمس شركات فقط، بينما تراجع عدد موردي الصواريخ التكتيكية من 13 إلى ثلاثة.

ويرى جوشوا شفرينسون، أستاذ السياسات الدولية في كلية السياسات العامة بجامعة ماريلاند، أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية لم تعد تتمتع بالقدرات التي كانت لديها عند نهاية الحرب الباردة، وهي المرحلة الأخيرة التي كانت واشنطن تستعد خلالها بجدية لاحتمال خوض عمليات قتالية عالية الكثافة تتطلب إنتاجاً عسكرياً مستداماً.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من ذلك "العشاء الأخير"، بدأت تداعيات هذا الانكماش تظهر بوضوح أكبر. فالمواجهة مع إيران وضعت الولايات المتحدة أمام اختبار صعب، مع ارتفاع الطلب على الصواريخ والذخائر إلى مستويات تتجاوز قدرة الصناعة الأمريكية على تعويض ما يُستهلك بالسرعة نفسها.

وفي الوقت الذي واصلت فيه واشنطن استخدام الضغوط الاقتصادية والعقوبات ضد طهران، مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً، برزت مؤشرات متزايدة على حجم الاستنزاف الذي تعرضت له مخزونات الصواريخ الأمريكية. وهو ما يكشف أن امتلاك ترسانة ضخمة لا يعني بالضرورة القدرة على مواصلة حرب طويلة أمام خصم قادر على فرض وتيرة مرتفعة من الاستهلاك العسكري.

وبذلك، لا تبدو المسألة مجرد أرقام تتعلق بالمخزون العسكري الأمريكي، بل اختباراً لقدرة واشنطن على خوض مواجهة ممتدة مع إيران، في ظل قاعدة صناعية جرى تقليصها لعقود، بينما أثبتت طهران أن الضغط العسكري عليها لا يضمن إخضاعها، وقد يفرض في المقابل كلفة استراتيجية متزايدة على الطرف الذي بدأ المواجهة.
رقم : 1302946
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم