تكمن حساسية كالينينغراد في موقعها أكثر مما تكمن في مساحتها. فالجيب الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، والمنفصل جغرافياً عن الأراضي الروسية الرئيسية، يمثل نقطة متقدمة لموسكو على بحر البلطيق. ولذلك فإن أي محاولة لعزله أو قطع خطوط إمداده يمكن أن تُقرأ في موسكو باعتبارها مساساً مباشراً بأمن الأراضي الروسية. وهنا تحديداً يصبح التلويح بالترسانة النووية جزءاً من معادلة الردع رفع كلفة أي خطوة غربية محتملة قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
لكن هذه اللغة ليست جديدة في التاريخ الروسي. فمنذ امتلاك الاتحاد السوفياتي القنبلة النووية عام 1949، دخل السلاح النووي في صلب الحسابات السياسية لموسكو. وفي أزمة السويس عام 1956، لوّح رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بولغانين باستخدام القوة الصاروخية ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ثم جاءت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 لتكشف إلى أي حد يمكن أن يقترب العالم من حافة الحرب النووية عندما تتقاطع الحسابات العسكرية مع سوء تقدير الخصم.
استمرت هذه الثقافة الاستراتيجية خلال العقود التالية. ففي عام 1983، اعتبرت موسكو مناورات «إيبل آرتشر» التابعة للناتو احتمالاً لعملية عسكرية حقيقية، فيما كاد إنذار كاذب في منظومة الإنذار السوفياتية أن يقود إلى قرار كارثي. وتكشف تلك الوقائع أن الخطر النووي لا ينشأ فقط من قرار متعمد باستخدام السلاح، بل أيضاً من سوء قراءة نوايا الخصم، أو خلل تقني، أو تقدير خاطئ لمسار التصعيد.
من الردع السوفياتي إلى العقيدة الروسية
مع انهيار الاتحاد السوفياتي لم تختفِ العقيدة النووية، بل أعيدت صياغتها. فقد تخلت العقيدة العسكرية الروسية لعام 1993 عن الالتزام السوفياتي بعدم المبادرة باستخدام السلاح النووي، ثم وسعت عقيدة عام 2000 ظروف اللجوء إليه لتشمل، إلى جانب الهجوم النووي، عدواناً تقليدياً واسع النطاق يهدد وجود الدولة.
ومع أزمة القرم عام 2014، عاد النووي إلى الحسابات السياسية بصورة أكثر وضوحاً. وبعد ذلك، عرض الرئيس فلاديمير بوتين في 2018 مجموعة من المنظومات الاستراتيجية الجديدة، بينها صاروخ «سارمات» والمركبة الانزلاقية «أفانغارد»، في رسالة هدفت إلى التأكيد أن روسيا لا تزال قادرة على تجاوز منظومات الدفاع الصاروخي الغربية.
غير أن حرب أوكرانيا أعادت الخطاب النووي إلى مستوى أكثر توتراً. فمنذ الأيام الأولى للحرب، حذر بوتين من «عواقب لم تروها من قبل» في حال تدخل أطراف خارجية، وأعلن وضع قوات الردع النووي في حالة تأهب خاصة. وفي سبتمبر 2022، قال إن روسيا ستستخدم «كل الوسائل المتاحة» للدفاع عن أراضيها، مؤكداً أن هذا التهديد «ليس خدعة».
الأكثر أهمية أن المسألة لم تبقَ في حدود الخطاب. فقد علقت موسكو مشاركتها في «نيو ستارت» عام 2023، وأعلنت نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروس، فيما أجرت في 2024 تدريبات مرتبطة باستخدام هذه الأسلحة.
وفي نوفمبر 2024، جاءت العقيدة النووية الروسية المعدلة لتوسّع نطاق الحالات التي يمكن أن تعتبرها موسكو مبرراً للرد النووي. ومن أبرز ما تضمنته اعتبار هجوم تقليدي من دولة غير نووية، إذا كان مدعوماً من دولة نووية، بمثابة هجوم مشترك. وهكذا أصبحت العلاقة بين السلاح التقليدي والنووي أكثر تداخلاً في التفكير الاستراتيجي الروسي.
سقوط آخر سقف للترسانات
لكن التطور الأكثر إثارة للقلق لا يرتبط فقط بالعقيدة الروسية، بل بانهيار منظومة الحد من الأسلحة النووية نفسها. فقد انتهت معاهدة «نيو ستارت» في 5 فبراير 2026، من دون أن تحل محلها معاهدة جديدة ملزمة بين واشنطن وموسكو.
وهذا يعني عملياً غياب آخر إطار رئيسي يفرض قيوداً قانونية على الترسانتين الاستراتيجيتين الأمريكية والروسية، فضلاً عن فقدان آليات التفتيش وتبادل البيانات التي كانت توفر قدراً من الشفافية. صحيح أن موسكو أعلنت استعدادها لمواصلة احترام الحدود السابقة إذا التزمت واشنطن بالمثل، لكن ذلك يبقى التزاماً سياسياً غير ملزم بمعاهدة.
وتزداد الصورة تعقيداً مع رفض الصين الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية، الأمر الذي يجعل النظام النووي الدولي أمام مرحلة مختلفة قوى نووية كبرى، ترسانات متطورة، تراجع في آليات الرقابة، وتصاعد في الأزمات العسكرية بين روسيا والغرب.
كالينينغراد: اختبار لحدود الردع
من هنا، لا ينبغي قراءة التهديد الروسي بشأن كالينينغراد بمعزل عن هذا السياق. فموسكو لا تقول بالضرورة إنها ستستخدم السلاح النووي لمجرد تعرض الجيب لضغط سياسي أو اقتصادي؛ بل تريد تثبيت معادلة مفادها أن أي محاولة لتحويل العزلة الجغرافية إلى حصار عسكري قد تُعتبر تجاوزاً لخطوط حمراء روسية.
وفي المقابل، فإن المشكلة تكمن في أن الردع نفسه يمكن أن يصبح مصدراً للتصعيد. فإذا اعتقد طرف أن التهديد النووي مجرد أداة ضغط، فقد يختبر حدوده تدريجياً. وإذا اعتقد الطرف الآخر أن خطوات الخصم تمثل تمهيداً لهجوم واسع، فقد يرفع جاهزيته العسكرية. وبين القراءتين يمكن أن تتسع مساحة الخطأ.
لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل ستستخدم روسيا السلاح النووي فعلاً؟ بل إلى أي حد يمكن أن يستمر توظيفه في الخطاب السياسي من دون أن يفقد الردع السيطرة على مسار التصعيد؟
تملك روسيا واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم، ويظل معظم السلاح النووي الروسي والأمريكي جزءاً من منظومة ردع تقوم أساساً على افتراض أن استخدامه ستكون كلفته كارثية على الجميع. غير أن غياب «نيو ستارت» وتراجع قنوات الشفافية، بالتوازي مع الحرب في أوكرانيا والتوتر المتصاعد بين موسكو والناتو، يجعل هامش الخطأ أضيق من أي وقت مضى.
وهكذا تعيد كالينينغراد إلى الواجهة معادلة قديمة بثوب جديد النووي قد يكون سلاحاً لمنع الحرب، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يتحول من قوة كامنة للردع إلى أداة يومية في الخطاب السياسي والعسكري. وفي عالم تتراجع فيه القيود والمعاهدات، لا تكمن الخطورة فقط في قرار الضغط على الزر، بل في سلسلة القرارات الصغيرة التي قد تقود الأطراف، خطوة بعد أخرى، إلى الاقتراب منه.