لكن الوقائع الميدانية تبدو أبعد ما تكون عن تصريحات ترامب المطمئنة، إذ تكشف عن مسار أميركي متدرّج نحو التصعيد ورفع مستوى الضغط على إيران. فواشنطن دفعت بتعزيزات عسكرية جديدة إلى المنطقة، بينها حاملة الطائرات «روزفلت» ومجموعاتها الضاربة، إلى جانب سفينة الإنزال البحري «مايكون إيلاند»، ووحدات من مشاة البحرية تضم أكثر من 2000 جندي، فضلاً عن بطاريات «باتريوت».
استعداد أميركي لمواجهة طويلة؟
في أحدث مواقفه، لوّح ترامب بإمكانية استئناف الضربات على إيران بعد الانتخابات النصفية، في وقت تبدو فيه المؤسسة العسكرية الأميركية وكأنها تستعد لسيناريو مواجهة ممتدة. ونقل موقع معهد البحرية الأميركية عن رئيس ضباط الصف في البحرية جون بيريمان أن عائلات بحارة حاملة «روزفلت» بدأت تستعد لغياب قد يتجاوز سبعة أشهر، فيما منح قائد الحاملة طواقمها إطاراً زمنياً يصل إلى ثمانية أشهر للتخطيط.
تعزيزات «باتريوت» لحماية المصالح الأميركية
ولا تقتصر التحضيرات الأميركية على الحشود البحرية، إذ شملت أيضاً تعزيز منظومات الدفاع الجوي في المنطقة. وبحسب «أكسيوس»، أرسل الجيش الأميركي خلال الأسابيع الأخيرة بطاريتين إضافيتين من صواريخ «باتريوت» لحماية منشآت النفط والغاز في السعودية وقطر، في خطوة تعكس حجم القلق الأميركي من تداعيات أي مواجهة جديدة واتساع نطاقها.
واشنطن تلوّح بالحرب وطهران تستعد للرد
ومع تصاعد الحشود الأميركية، تتزايد المؤشرات على احتمال فتح جولة جديدة من المواجهة بين واشنطن وطهران. فقد نقلت «فوكس نيوز» عن مسؤول أميركي أن ما بعد الانتخابات النصفية قد يشكل موعداً محتملاً لاستئناف الحرب، بالتزامن مع استمرار ترامب في رفض المقترحات الإيرانية.
في المقابل، تتعامل المؤسسة العسكرية الإيرانية مع هذه التهديدات باعتبارها جزءاً من سياسة الضغط الأميركية، وسط معلومات عن مخططات لاستئناف الحرب واستعداد إيراني للرد بأساليب غير تقليدية. وهنا تبدو طهران متمسكة بأوراقها الأساسية، وفي مقدمتها ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة، بما يحفظ لإيران حقوقها ومصالحها السيادية.
مأزق أميركي أمام ثبات الموقف الإيراني
ويبدو أن جوهر الجمود الحالي يعود إلى محاولة واشنطن انتزاع تنازلات من إيران تحت ضغط التهديد العسكري، في مقابل تمسّك طهران بشروطها ورفضها تحويل المفاوضات إلى أداة لفرض الإملاءات الأميركية.
فترامب يريد الاحتفاظ بأوراق الضغط التي يملكها، وفي مقدمتها الحصار والتحشيد العسكري، فيما ترى طهران أن التهديد والضغوط لا يمكن أن يشكلا أساساً لاتفاق متوازن. ولذلك بقيت المفاوضات تراوح مكانها، رغم استمرار الاتصالات والوساطات.
هل يلجأ ترامب إلى مناورة جديدة قبل الانتخابات؟
ومع بقاء نحو شهر على الانتخابات النصفية الأميركية، قد يحاول ترامب الجمع بين الضغط العسكري والمناورة الدبلوماسية، خصوصاً في ظل رغبته في خفض أسعار الطاقة وتحسين المؤشرات الاقتصادية قبل الاستحقاق الانتخابي. وقد نشهد خلال هذه الفترة رسائل تهدئة أميركية ومحاولات لإظهار قرب التوصل إلى اتفاق، بهدف تهدئة الأسواق وتحسين المزاج الداخلي.
لكن التجربة السابقة تكشف أن طهران باتت أكثر حذراً تجاه هذه المناورات. فقد سبق لترامب أن اتجه إلى اتفاق إسلام آباد مع إيران، والذي تضمّن بنوداً عكست، بحسب النص، تنازلات أميركية في بعض الملفات، قبل أن يعود وينقض الاتفاق ويستأنف الضربات والضغوط والعقوبات.
وبالتالي، فإن التجربة عززت لدى إيران قناعة بأن الضمان الحقيقي لا يكمن في الوعود الأميركية، بل في امتلاك أوراق قوة قادرة على حماية المصالح الإيرانية ومنع واشنطن من فرض شروطها.
التحشيد الأميركي لا يضمن انتزاع التنازلات
وقد تكون الحشود العسكرية الأميركية محاولة لرفع سقف الضغط على طهران ودفعها إلى تعديل مواقفها، لكن نتائج المواجهات السابقة والمفاوضات التي أعقبتها لا تشير إلى أن سياسة التهديد العسكري تمكنت من فرض تسوية نهائية على إيران.
فكلما رفعت واشنطن مستوى الضغط، أكدت طهران تمسكها بأوراقها الأساسية، من أمن مضيق هرمز إلى رفض الحصار والإصرار على استعادة الأموال المجمدة. ومن هذا المنطلق، فإن الحشود الأميركية قد تعكس أيضاً خشية واشنطن من قدرة إيران على الرد وفرض كلفة مرتفعة لأي مغامرة عسكرية جديدة.
بين المناورة والتهديد.. إيران تتمسك بشروطها
في المحصلة، قد يلجأ ترامب مجدداً إلى سياسة المناورة قبل الانتخابات النصفية، بالتوازي مع تحركات قطرية لتسوية الصراع ومنع انفجاره. إلا أن وصول تعزيزات عسكرية أميركية جديدة، بينها حاملة طائرات وبطاريات «باتريوت»، يكشف أن واشنطن تبقي خيار التصعيد مفتوحاً.
وفي المقابل، تبدو إيران متمسكة بموقفها: لا مفاوضات تحت التهديد، ولا تسوية تنتقص من حقوقها أو تفرض عليها التنازل عن أوراق قوتها. وبين التحشيد الأميركي ومحاولات الضغط، تملك طهران من عناصر القوة ما يجعل أي مواجهة جديدة أكثر تعقيداً وكلفة بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة.