في هذا الإطار، أجرى موقع "
إسلام تايمز" مقابلة مع الفنان اللبناني رودني حداد، الذي قدّم رؤية هادئة تحاول مقاربة هذه الملفات الحساسة بواقعية ووعي نقدي. في بداية الحديث، يشير حداد إلى أن ما يُطرح حول "تثبيت انتصار" أو "تحول جذري في ميزان الردع" يحتاج إلى قراءة دقيقة، موضحًا أن المنطقة تشهد بالفعل تطورات مهمة على المستوى العسكري والتقني، لكن توصيفها كتحول حاسم ونهائي قد يكون متسرعًا، لأن الصراعات الكبرى لا تُحسم بهذه البساطة، بل تتشكل عبر مسارات طويلة ومعقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإعلام.
ويرى أن الحديث عن الانتقال من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الفعل الحاسم" يعكس تغيرًا في الخطاب، لكنه لا يلغي حقيقة أن كل الأطراف لا تزال تعمل ضمن حسابات دقيقة تحكمها توازنات حساسة.
وعند التطرق إلى مفهوم "وحدة الساحات"، يوضح حداد أن هذا المصطلح يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق بين أطراف إقليمية، لكنه يحذر من اعتباره كيانًا موحدًا بشكل كامل، مشيرًا إلى أن أي تحالف، مهما كان متماسكًا، يبقى محكومًا بتباينات داخلية وظروف مختلفة لكل طرف. ويضيف أن تصوير هذا التنسيق كقوة واحدة مطلقة قد يغفل التعقيدات الواقعية، لكنه في الوقت نفسه لا ينفي وجود تطور في أساليب التعاون والتخطيط المشترك، وهو أمر يفرض على الخصوم إعادة النظر في مقارباتهم.
وفي ما يتعلق بالحديث عن "الهزيمة المهينة" لإسرائيل وسقوط صورة "الجيش الذي لا يُقهر"، يتعامل حداد مع هذا الطرح بحذر، معتبرًا أن الصور الذهنية تتعرض دائمًا للاهتزاز في أوقات الأزمات، لكن ذلك لا يعني انهيارًا كاملًا للقدرات. ويشير إلى أن إسرائيل لا تزال تمتلك إمكانات عسكرية وتكنولوجية كبيرة، في مقابل تحديات حقيقية تواجهها، وأن القراءة المتوازنة تقتضي الاعتراف بالأمرين معًا، بعيدًا عن المبالغة في تصوير الانتصارات أو الهزائم، لأن ذلك يؤدي إلى فهم مشوّه للواقع.
أما في ما يخص الولايات المتحدة، فيرى حداد أن الحديث عن "أفول الهيمنة" يجب أن يُفهم ضمن سياق أوسع، حيث يشهد العالم تحولات نحو تعددية أكبر في مراكز القوة. ويؤكد أن واشنطن لا تزال لاعبًا رئيسيًا، لكنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها بشكل مطلق كما في السابق، وهو ما يفتح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز حضورها، ويجعل المشهد الدولي أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
وفي سياق ما يُقال عن "اعترافات غربية" تعكس هذا التحول، يشدد حداد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه الفكرة، موضحًا أن الإعلام الغربي ليس كتلة واحدة، بل يضم طيفًا واسعًا من الآراء والتحليلات، وأن انتقاء بعض المواقف وتعميمها قد يؤدي إلى صورة غير دقيقة. ويرى أن القراءة المهنية تقتضي النظر إلى هذه الآراء ضمن سياقها الكامل، وليس استخدامها كدليل قاطع على صحة سردية معينة.
وعن دور الفن في خضم هذه التحولات، يؤكد حداد أن الفنان لا يمكن أن يكون منفصلًا عن واقعه، لكنه في الوقت نفسه لا يجب أن يتحول إلى أداة دعائية. ويعتبر أن القيمة الحقيقية للفن تكمن في قدرته على طرح الأسئلة وكشف التعقيدات الإنسانية، لا في تقديم خطاب مباشر أو منحاز. ويضيف أن في أزمنة التوتر، تزداد الحاجة إلى صوت فني يعيد التوازن، ويمنح الجمهور مساحة للتفكير بعيدًا عن الضجيج.
ويختم حداد بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين التصعيد وإعادة التوازن، مشددًا على أن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. ويرى أن الخطاب العقلاني، سواء في الإعلام أو الفن، هو ما يمكن أن يساعد على فهم أعمق لهذه التحولات، وتجنب الوقوع في فخ التبسيط أو المبالغة، في منطقة لا تحتمل أصلًا المزيد من القراءات الخاطئة.