فالمشهد الذي كان يقوم لعقود على تفوق عسكري إسرائيلي مدعوم بغطاء أميركي شبه مطلق، بات اليوم يواجه تحديات غير مسبوقة، سواء على مستوى الردع أو القدرة على فرض الإرادة السياسية.
وفي هذا السياق، أجرى موقع “
إسلام تايمز” مقابلة مع الخبير العسكري والعميد الأردني ناجي الزعبي، الذي قدّم قراءة استراتيجية يعتبر فيها أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تراجع الهيمنة الأحادية وصعود معادلات ردع متبادلة، لعبت إيران دوراً مركزياً في تثبيتها.
يرى الزعبي أن الحديث عن “انتصار إيران” لا يجب أن يُفهم فقط ضمن إطار المواجهة العسكرية المباشرة، بل في سياق أوسع يتعلق بقدرتها على فرض معادلات استراتيجية جديدة في المنطقة. ويشير إلى أن المؤشرات الميدانية التي تدل على تغيّر ميزان الردع تتمثل في فشل إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق أهدافهما السياسية والعسكرية الكاملة، رغم امتلاكهما تفوقاً عسكرياً هائلاً. وهذا، بحسب تعبيره، يعني أن المنطقة انتقلت من مرحلة “الردع الأحادي” إلى مرحلة “الردع المركب”، حيث بات أي قرار بالحرب يخضع لحسابات معقدة تتجاوز حدود ساحة واحدة.
ويضيف أن التحول في العقيدة الإيرانية من “الصبر الاستراتيجي” إلى “المبادرة المحسوبة” شكّل نقطة مفصلية في طبيعة الصراع، لأن طهران لم تعد تعتمد فقط على امتصاص الضغوط أو إدارة الوقت، بل أصبحت تستخدم عناصر القوة التي راكمتها خلال العقود الماضية لفرض توازنات جديدة. ويرى أن هذا التحول لا يعني التخلي عن الحذر الاستراتيجي، بل الانتقال إلى إدارة هجومية للردع، تقوم على توجيه رسائل دقيقة للخصوم بأن أي تصعيد واسع ستكون له كلفة إقليمية شاملة.
وفي ما يتعلق بإمكان استمرار هذا التحول، يعتبر الزعبي أن الأمر لم يعد مرتبطاً بظرف مرحلي، بل بتحول بنيوي في البيئة الاستراتيجية للمنطقة. فالتوازنات التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة خلقت واقعاً جديداً لم تعد فيه إسرائيل قادرة على العمل بحرية مطلقة كما في السابق، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة الصراعات من موقع السيطرة الكاملة.
ويشير إلى أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو كسر “محرمات المواجهة المباشرة”، حيث لم تعد الخطوط الحمراء التقليدية ثابتة كما كانت. لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن هذا لا يعني بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة، بل قد يؤدي إلى ترسيخ نوع من الردع المتبادل الذي يمنع الانفجار الكبير، لأن جميع الأطراف باتت تدرك أن كلفة الحرب المفتوحة أصبحت أعلى بكثير من السابق.
وفي محور “وحدة الساحات”، يرى الزعبي أن هذا المفهوم شكّل تحولاً عسكرياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، لأنه ألغى فكرة إمكانية عزل الجبهات عن بعضها البعض. فإسرائيل، بحسب قوله، كانت تعتمد دائماً على احتواء أي مواجهة ضمن نطاق جغرافي محدد، لكن الترابط بين الساحات اليوم جعل أي تصعيد قابلاً للتمدد إلى أكثر من جبهة، ما فرض ضغطاً مضاعفاً على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
ويعتبر أن “وحدة الساحات” لم تعد مجرد شعار سياسي أو إعلامي، بل أصبحت جزءاً من العقيدة العملياتية لقوى المقاومة، وهو ما يفسر التحول في طبيعة الحسابات الإسرائيلية والأميركية خلال أي مواجهة محتملة.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فيؤكد الزعبي أن صورة “الجيش الذي لا يُقهر” تعرضت لاهتزاز غير مسبوق، ليس فقط بسبب النتائج الميدانية، بل لأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها باتت تواجه أزمة عميقة. فهذه العقيدة كانت تقوم على الحسم السريع ونقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع تهديد العمق الإسرائيلي، لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة كشف حدود هذه النظرية.
ويضيف أن المواجهات الأخيرة أظهرت أيضاً نقاط ضعف استخباراتية واضحة، سواء في التقدير أو في القدرة على استشراف طبيعة التهديدات الجديدة، ما انعكس بشكل مباشر على الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي تحولت من عنصر قوة إلى عنصر ضغط على صانع القرار.
أما على مستوى الولايات المتحدة، فيرى الزعبي أن ما حدث يعكس تراجعاً في فعالية الهيمنة الأميركية أكثر مما يعكس تراجعاً في القوة ذاتها. فواشنطن ما زالت تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، لكنها لم تعد قادرة على تحويل هذه القدرات إلى نتائج سياسية مستقرة. ويعتبر أن هذا هو جوهر الأزمة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط.
ويشير إلى أن عجز القيادة المركزية الأميركية عن حماية حلفائها بشكل كامل أو منع توسع نطاق التهديدات كشف حدود القوة الصلبة، وفتح الباب أمام قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، لتصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.
وفي ما يخص الخطاب الغربي، يلفت الزعبي إلى أن الاعترافات المتزايدة داخل بعض مراكز التفكير والإعلام الغربي بشأن حدود القوة الإسرائيلية والأميركية تحمل أهمية كبيرة، لأنها تعكس بداية مراجعة في فهم طبيعة الصراع. لكنه يحذر من الاعتماد الكامل على هذه الخطابات، لأن الحرب الإعلامية والنفسية أصبحت جزءاً أساسياً من المعركة.
ويرى أن النصر في الحروب الحديثة لم يعد يُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُدمّر أو حجم الخسائر، بل بمدى القدرة على فرض الإرادة السياسية ومنع الخصم من تحقيق أهدافه. ومن هنا، يعتبر أن ما تحقق في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يعكس تحوّلاً في مفهوم القوة نفسه، حيث بات الردع يقوم على توازن الإرادات بقدر ما يقوم على توازن القدرات.
ويختم العميد ناجي الزعبي بالتأكيد على أن الشرق الأوسط يدخل اليوم مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية، لم تعد فيها الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية قادرة على العمل وفق قواعدها القديمة، مقابل صعود معادلات ردع متعددة الأطراف. ويرى أن إيران نجحت في تثبيت نفسها كفاعل استراتيجي أساسي في هذه المعادلة، وأن المنطقة تتجه نحو نظام أكثر تعقيداً، تُعاد فيه صياغة مفاهيم القوة والردع والانتصار بصورة غير مسبوقة منذ عقود.