ومن هذا المنطلق، يرى هذا الطرح أن أحد أبرز ملامح المرحلة يتمثل في تصاعد الفجوة بين الخطاب الدولي حول القانون والعدالة من جهة، والممارسة الفعلية القائمة على ازدواجية المعايير من جهة أخرى، وهو ما انعكس في تراكم الأزمات الإقليمية وتعقيد مسارات التسوية السياسية في أكثر من ملف. فبدلاً من أن تؤدي منظومة العلاقات الدولية إلى تقليل منسوب الصراع، أصبحت – وفق هذا المنظور – جزءاً من إعادة إنتاجه، من خلال إدارة الأزمات بدل حلّها جذرياً، ما جعل مناطق واسعة من العالم، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، تعيش حالة من “الاستقرار غير المستقر” القائم على توازن هشّ قابل للاهتزاز في أي لحظة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الصراع القائم مع العدو الإسرائيلي باعتباره المثال الأكثر كثافة على هذا الاختلال البنيوي، حيث يرتبط استمرار الأزمة، وفق الرؤية النقدية، بعجز النظام الدولي عن فرض تسوية عادلة وشاملة تستند إلى مرجعيات حقوقية واضحة وغير انتقائية.
ومن هنا، تُطرح مسألة التطبيع وفق المفتي الخليلي بوصفها جزءاً من إعادة هندسة المشهد الإقليمي، إذ يرى هذا التصور أن أي ترتيبات سياسية أو دبلوماسية جديدة في المنطقة لا يمكن أن تكون مستقرة إذا تم تجاوز جوهر الصراع دون معالجة أسبابه البنيوية، وفي مقدمتها قضية الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني، بينما ترى أطراف أخرى أن التحولات الجارية تمثل محاولة لإعادة بناء بيئة إقليمية مختلفة تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بمعزل عن مسار الصراع التاريخي.
وفي موازاة ذلك، تتداخل في المشهد الإقليمي مجموعة من الفاعلين الذين أصبحوا جزءاً من بنية التوازنات الجديدة، حيث يُنظر إلى حزب الله بوصفه أحد أبرز القوى غير التقليدية التي نشأت داخل بيئة الصراع الممتد في المنطقة، وتحوّلت مع الوقت إلى عنصر مؤثر في معادلات الردع الإقليمية، لا سيما في السياق اللبناني المتشابك بين الداخل والخارج. وبينما يرى مؤيدوه أنه يمثل قوة ردع في مواجهة تهديدات خارجية ويشكّل جزءاً من معادلة توازن إقليمي فرض نفسه بفعل التطورات الميدانية، يرى منتقدوه أن هذا الواقع يعكس إشكالية أعمق تتعلق ببنية الدولة الوطنية في لبنان، وحدود احتكارها للقوة الشرعية، في ظل استمرار التداخل بين القرار الداخلي والاصطفافات الإقليمية.
أما إيران، فتُطرح وفق رئية في هذا السياق كأحد المحاور الأساسية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية خلال العقود الأخيرة، حيث ارتبط حضورها السياسي والأمني بمجموعة واسعة من الملفات الممتدة من الخليج إلى بلاد الشام، ما جعلها طرفاً محورياً في أي نقاش يتعلق بمستقبل الاستقرار في المنطقة. ووفق هذه القراءة، فإن أهمية الدور الإيراني لا تنبع فقط من عناصر القوة التقليدية، بل من قدرتها على التموقع داخل شبكات صراع متعددة الاتجاهات، ما جعلها جزءاً من معادلة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع الحسابات الأمنية والتحالفات المتغيرة.
وفي مستوى أكثر تركيباً، يُنظر إلى الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها إحدى أكثر نقاط الارتكاز حساسية في النظام الإقليمي الراهن، حيث لا تقتصر على صراع مباشر، بل تتجسد في شبكة من أدوات الضغط غير المباشر، تشمل العقوبات الاقتصادية، والتحالفات العسكرية، وسياسات الردع المتبادل، والحروب غير المعلنة. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة هذا المسار باعتباره حالة صراع ممتد لا يُحسم عسكرياً بسهولة، بل يُدار عبر مستويات متعددة من الاستنزاف السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر بدلاً من إنهائه.
وفي إطار أوسع، تُطرح العلاقة بين هذه التوترات وبنية النظام الدولي بوصفها علاقة تفاعلية، حيث يعكس الشرق الأوسط في هذا السياق أزمة أعمق في قدرة النظام العالمي على إنتاج قواعد عادلة ومستقرة لإدارة الصراع. فغياب مرجعية دولية متماسكة وملزمة يفتح المجال أمام تعدد التأويلات لمفاهيم مثل الأمن والاستقرار والشرعية، ما يؤدي إلى حالة من السيولة الاستراتيجية التي تجعل أي توازن قائم عرضة للاهتزاز.
ويخلص هذا التصور في النهاية إلى أن العالم يقف أمام لحظة إعادة تشكيل كبرى، لا تقتصر على إعادة توزيع مراكز القوة، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهوم النظام الدولي نفسه، حيث تصبح العدالة وفق هذا الطرح ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل شرطاً ضرورياً للاستقرار السياسي والأمني. ومن دون هذا التوازن بين القوة والحق، يرى هذا الاتجاه أن النظام الدولي سيظل عرضة لدورات متكررة من التوتر وعدم الاستقرار، وأن الشرق الأوسط سيبقى في قلب هذه التحولات باعتباره أكثر المناطق تعبيراً عن اختلال التوازن بين القانون والقوة في العالم المعاصر.