0
الاثنين 18 أيار 2026 ساعة 20:30

الدكتور أحمد راسم النفيس: حرب إيران شكّلت أحد أبرز ملفات هذا الجدل داخل الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية

الدكتور أحمد راسم النفيس: حرب إيران شكّلت أحد أبرز ملفات هذا الجدل داخل الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية

يرى النفيس أن الشرق الأوسط يعيش منذ سنوات حالة تفكك تدريجي في القواعد التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، حيث لم تعد مراكز النفوذ التقليدية قادرة على إدارة التوازنات بالطريقة نفسها التي كانت سائدة بعد نهاية الحرب الباردة، كما أن الأنظمة السياسية في عدد من الدول باتت تواجه تحديات داخلية عميقة مرتبطة بالاقتصاد والشرعية والاستقرار الاجتماعي.

ويشير إلى أن المنطقة بُنيت طوال عقود على اختلالات حادة في ميزان القوة، وعلى اعتماد سياسي وأمني واقتصادي كبير على الخارج، ما جعل العديد من الدول أكثر هشاشة أمام التحولات الكبرى، وأقل قدرة على بناء منظومات مستقلة للحماية أو التنمية أو القرار السيادي.

ويضيف أن ما يجري اليوم هو انتقال تدريجي من مرحلة كانت تُدار فيها المنطقة وفق قواعد أكثر وضوحاً وثباتاً، إلى مرحلة أكثر سيولة وتعقيداً، تتعدد فيها مراكز التأثير وتتداخل فيها الملفات المحلية مع الصراعات الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.

وفي ما يتعلق بالمقاومة في لبنان وفلسطين، يرى النفيس أن هذا الخيار لم يعد مجرد حالة عسكرية مرتبطة بظروف ميدانية أو ظرف سياسي محدد، بل أصبح جزءاً من معادلة استراتيجية فرضت نفسها على طبيعة التوازنات في المنطقة.

ويؤكد أن تطور قدرات قوى المقاومة  أدى إلى إعادة صياغة جزء من قواعد الاشتباك التقليدية، بحيث لم يعد التفوق العسكري أو التكنولوجي التقليدي كافياً وحده لحسم المعارك أو فرض معادلات نهائية كما كان يحدث في مراحل سابقة.

ويعتبر النفيس أن أهمية هذا التحول لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى البعد السياسي والنفسي والفكري، حيث أعاد طرح أسئلة عميقة حول مفهوم القوة وحدود الهيمنة وإمكانات الفاعلين غير التقليديين في التأثير على موازين القوى.

ويشير إلى أن “العدو الإسرائيلي” لم يعد يواجه المنطقة ضمن معادلات تقليدية مغلقة، بل بات جزءاً من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُدار فيه المواجهات عبر توازنات الردع والضغط السياسي والاقتصادي والحروب غير المباشرة، في ظل تحولات تضرب بنية النظام الإقليمي بأكمله.

ويضيف أن هذا الواقع انعكس مباشرة على طبيعة النقاش داخل المجتمعات العربية والإسلامية، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على المواجهة العسكرية، بل أصبح مرتبطاً بمفهوم السيادة والاستقلال السياسي والقدرة على إنتاج توازنات جديدة خارج منظومات الهيمنة التقليدية.

أما في ملف التطبيع مع إسرائيل، فيرى النفيس أن المنطقة تشهد عملية إعادة تموضع استراتيجية واسعة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات وفق حسابات أمنية واقتصادية جديدة، غير أن هذا المسار يبقى، وفق تقديره، هشّاً وغير قابل للاستقرار الطويل لأنه يتجاوز جذور الصراع التاريخي دون معالجتها.

ويؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال تمثل العقدة المركزية في الوعي السياسي العربي والإسلامي، وأن أي محاولة لبناء استقرار دائم في المنطقة دون معالجة هذه القضية بشكل جذري ستبقى عرضة للاهتزاز، لأن الصراعات التاريخية لا تُمحى عبر التفاهمات السياسية المؤقتة أو إعادة ترتيب التحالفات فقط.

وفي ما يتعلق بإيران، يرى النفيس أنها تحولت خلال العقود الأخيرة إلى لاعب إقليمي رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب حضورها السياسي والعسكري، بل لأنها استطاعت بناء شبكة تأثير إقليمية واسعة غيّرت طبيعة التوازنات التقليدية في المنطقة.

ويشير إلى أن الحرب المستمرة حول إيران يعكس في جوهره صراعاً أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل، وعلى حدود النفوذ، ومفهوم الاستقلال السياسي، وطبيعة العلاقة بين القوى الصاعدة ومراكز القرار التقليدية.

ويرى أن هذا الصراع لا يُدار فقط عبر المواجهات المباشرة، بل عبر العقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، وإدارة ساحات النفوذ، والحروب غير المباشرة، ما يجعل المنطقة في حالة توتر دائم منخفض الوتيرة لكنه قابل للتصعيد في أي لحظة.

وعلى المستوى الدولي، يشير النفيس إلى أن التحولات الجارية داخل الولايات المتحدة وأوروبا، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، تنعكس بشكل مباشر على طبيعة الدور الغربي في العالم، حيث تتصاعد النقاشات حول كلفة الانخراط الخارجي وحدود القدرة على إدارة الأزمات الممتدة.

ويضيف أن هذه التحولات تدفع النظام الدولي تدريجياً نحو تعددية أكثر تعقيداً، تتراجع فيها القدرة على فرض الهيمنة التقليدية، مقابل صعود أنماط جديدة من التوازنات وإدارة الصراعات عبر الردع والتفاوض والضغوط المتبادلة.

ويؤكد النفيس أن الشرق الأوسط سيكون من أكثر مناطق العالم تأثراً بهذه التحولات، لأن المنطقة تقع في قلب التنافس الدولي والإقليمي، ما يجعلها ساحة مفتوحة لإعادة رسم النفوذ والتوازنات لعقود مقبلة.

ويرى النفيس أن النقاش الداخلي داخل الولايات المتحدة يشهد خلال السنوات الأخيرة تصاعداً واضحاً حول كلفة الانخراط الخارجي، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متزايدة تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الضغوط على الطبقة الوسطى، وتراجع الثقة بالقدرة على الاستمرار في إدارة صراعات مفتوحة في أكثر من ساحة دولية. 

ويشير إلى أن هذه التحولات انعكست على طبيعة الجدل السياسي والإعلامي الأمريكي، حيث تتزايد الأصوات التي تدعو إلى إعادة تقييم الأولويات الاستراتيجية والتركيز على التحديات الداخلية بدل الانخراط في مواجهات طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.

ويضيف أن التوترات المرتبطة بإيران شكّلت أحد أبرز ملفات هذا الجدل، إذ برزت داخل الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية نقاشات واسعة حول حدود القوة العسكرية وإمكانات الحسم في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ما دفع جزءاً من النخب إلى التحذير من الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة قد تحمل كلفة اقتصادية وسياسية وأمنية مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها.

ويختم الكاتب والباحث المصري أحمد راسم النفيس بالتأكيد على أن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة، حيث تتقاطع التحولات الفكرية والسياسية والعسكرية في مسار واحد يعيد صياغة الشرق الأوسط بأكمله، في ظل نظام دولي وإقليمي لم تستقر قواعده الجديدة بعد، بينما تتراجع قدرة النماذج القديمة على الاستمرار أو فرض استقرار دائم كما كان في العقود السابقة.
رقم : 1280856
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم