ويشير إلى أن أحد أبرز سمات المرحلة الراهنة هو تآكل “اليقينيات القديمة” التي كانت تفترض قدرة قوى كبرى على ضبط الإيقاع الإقليمي بشكل أحادي، مقابل صعود معادلات أكثر تشابكاً وتعدداً في مراكز التأثير، حيث لم يعد بالإمكان اختزال الصراع بمحور واحد أو رؤية خطية، بل باتت المنطقة أقرب إلى بنية تفاعلية معقدة تتداخل فيها الجبهات من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ضمن شبكة واحدة من التأثير المتبادل. وفي هذا السياق، يلفت الدويهي إلى أن ما يُعرف بمحور المقاومة، وفق التوصيف السياسي المتداول، نجح في التحول من كونه مجرد أطراف متفرقة إلى حالة تأثير مركبة فرضت نفسها في حسابات الردع الإقليمي، ليس فقط من خلال المواجهة المباشرة، بل عبر إعادة تعريف مفهوم الكلفة السياسية والعسكرية لأي تصعيد واسع، بحيث أصبحت القدرة على الاستمرار والصمود عنصرًا حاسماً في ميزان القوة، لا يقل أهمية عن التفوق التقني أو العسكري التقليدي.
وعند التطرق إلى الساحة اللبنانية، يضع الدويهي حزب الله ضمن إطار هذا التحول البنيوي، معتبراً أنه بات جزءاً عضوياً من معادلة إقليمية لا يمكن فصلها عن الصراع الأكبر في المنطقة، وأن حضوره لم يعد محصوراً في الداخل اللبناني، بل يمتد إلى كونه عنصراً فاعلاً في هندسة توازن الردع على الحدود الشمالية مع إسرائيل. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن هذا الموقع يضع لبنان في حالة “تعليق استراتيجي” بين الداخل المنقسم حول مفهوم الدولة والسيادة، وبين الخارج الذي يفرض عليه ثقل الجغرافيا السياسية للصراع، ما يجعل الدولة اللبنانية، وفق توصيفه، ساحة انعكاس أكثر من كونها فاعلاً مستقلاً بالكامل، وهو ما يفسر استمرار التوتر بين منطق الدولة المركزية ومنطق التوازنات الإقليمية المتداخلة.
وفي ما يتعلق بالدور الأمريكي، يذهب الدويهي إلى أن التحول الأهم لا يكمن فقط في نتائج السياسات الأمريكية في المنطقة، بل في تآكل القدرة على إنتاج نموذج استقرار قابل للاستمرار. فالتدخلات المتكررة، سواء المباشرة أو غير المباشرة، لم تؤدِّ إلى تثبيت أنظمة سياسية مستقرة بقدر ما ساهمت في إعادة تدوير الأزمات داخل بنى الدولة والمجتمع، ما خلق حالة من “الاستنزاف المزمن” في أكثر من ساحة إقليمية. ويضيف أن هذا الفشل النسبي في الخارج يتزامن مع تصدعات داخلية متزايدة داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تتقاطع الانقسامات السياسية الحادة مع ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة، ومع جدل استراتيجي حول حدود الدور العالمي لواشنطن وكلفة استمرار الانخراط في النزاعات الخارجية، وهو ما يعكس، برأيه، انتقال الولايات المتحدة من موقع “إدارة النظام” إلى موقع “إدارة التراجع النسبي في القدرة على التحكم به بالكامل”.
أما في ما يخص إيران، فيضعها الدويهي في إطار “الدولة العقدة” داخل النظام الإقليمي، أي الدولة التي تتقاطع عندها خطوط الصراع والتوازن والتفاوض في آن واحد، مشيراً إلى أن حضورها لم يعد يُقاس فقط بميزان القوة التقليدي، بل بقدرتها على تثبيت موقعها داخل هندسة إقليمية شديدة التعقيد، رغم الضغوط والعقوبات ومحاولات العزل السياسي. ويعتبر أن هذا الثبات جعل إيران عنصراً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل المنطقة، سواء في مسارات التهدئة أو التصعيد أو إعادة رسم خرائط النفوذ.
ويتوقف الدويهي أيضاً عند العلاقة بين إسرائيل وحلفائها الغربيين، معتبراً أنها دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مما تظهره الخطابات السياسية الرسمية، إذ لم تعد قائمة فقط على التطابق الكامل في الرؤية، بل على إدارة اختلافات في تقدير المخاطر وطرق إدارة الصراع وحدود توسيعه. وهذا ما يفتح، بحسب رأيه، نقاشاً متزايداً داخل مراكز القرار الغربية حول الكلفة الاستراتيجية طويلة المدى لاستمرار إدارة الأزمات المفتوحة في المنطقة دون أفق سياسي واضح.
ويختم الإعلامي أسركيس الدويهي قراءته بالتأكيد على أن أخطر ما يميز المرحلة الراهنة ليس فقط التحولات الجيوسياسية، بل التحول في بنية الوعي نفسه، حيث أصبح الإعلام جزءاً من هندسة الصراع لا مجرد ناقل له، ما يجعل المعركة اليوم متعددة الطبقات: على الأرض، وفي السياسة، وفي الوعي العام. ويرى أن المنطقة تدخل مرحلة طويلة من إعادة التشكل، لن تُحسم سريعاً، بل ستستمر في إنتاج توازنات مؤقتة تتبدل باستمرار حتى استقرار معادلة إقليمية جديدة أكثر رسوخاً أو أكثر اضطراباً، بحسب قدرة الأطراف المختلفة على التكيف مع هذا التحول التاريخي العميق.