ويعتبر أبو الحسن أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تبدّل في التحالفات أو إعادة تموضع للقوى الإقليمية والدولية، بل هو انتقال من مرحلة تاريخية كاملة إلى مرحلة أخرى مختلفة في طبيعة القوة والهيمنة والردع ومفهوم الدولة والسيادة. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب الباردة، والقائم على التفوق الأحادي وإدارة الشرق الأوسط عبر موازين قوة مختلة بصورة حادة، بدأ يفقد قدرته على الاستمرار، بينما تتشكل في المقابل معادلات جديدة أكثر تعقيداً وتشابكاً، لم تستقر ملامحها النهائية بعد.
ويؤكد أبو الحسن في حديث لموقع
إسلام تايمز أن القضية الفلسطينية بقيت طوال العقود الماضية البوصلة الحقيقية لفهم طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها قضية شعب تحت الاحتلال، بل لأنها تعكس في جوهرها طبيعة التوازنات التي بُنيت عليها المنطقة منذ عقود، وطبيعة العلاقة بين القوة والشرعية والسيادة في النظام الإقليمي.
ويشير إلى أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها ضمن مشاريع إعادة ترتيب المنطقة سياسياً وأمنياً لم تؤدِّ إلى إنتاج استقرار فعلي، لأن جذور الأزمة بقيت قائمة، ولأن الصراع في جوهره لم يكن صراع حدود فقط، بل صراعاً على هوية المنطقة واتجاهها ومستقبلها السياسي.
ويضيف أن العدو الإسرائيلي لم يعد يواجه الواقع الإقليمي نفسه الذي كان قائماً في العقود السابقة، إذ إن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة تماماً من حيث طبيعة الصراعات وتوازنات الردع. فالتفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً وحده لفرض معادلات نهائية أو إنتاج حسم سياسي كامل كما كان يحدث في مراحل سابقة.
ويرى أبو الحسن أن تجربة حزب الله شكّلت أحد أبرز التحولات الاستراتيجية في المنطقة خلال العقود الأخيرة، لأنها نقلت مفهوم المواجهة من إطار الحرب التقليدية إلى إطار أكثر تعقيداً يقوم على الردع المتبادل وإدارة الصراع طويل الأمد واستنزاف الإرادات السياسية والنفسية والاقتصادية.
ويعتبر أن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في البعد العسكري، بل في التحول الفكري والسياسي الذي أحدثه داخل المنطقة، حيث أعاد طرح أسئلة كبرى حول مفهوم القوة وحدود الهيمنة، وأعاد الاعتبار لفكرة أن الإرادة السياسية والقدرة على الصمود يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤثر في صناعة التوازنات، حتى في ظل اختلالات كبيرة في موازين القوة التقليدية.
ويشير إلى أن هذا الواقع غيّر جزءاً مهماً من العقل السياسي في المنطقة، بعدما لم يعد الحديث يدور فقط حول التفوق العسكري والتكنولوجي، بل حول القدرة على فرض معادلات ردع تمنع الحسم السريع وتفرض كلفة متبادلة على مختلف الأطراف.
ويرى أبو الحسن أن هذا التحول انعكس مباشرة على طبيعة التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، حيث باتت المؤسسة الأمنية والعسكرية مضطرة للتعامل مع بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والإعلامية والسياسية، في ظل تراجع القدرة على خوض مواجهات سريعة وقصيرة تضمن نتائج حاسمة كما كان يُعتقد في مراحل سابقة.
أما في ما يتعلق بمسار التطبيع، فيرى أبو الحسن أن بعض الأنظمة الإقليمية حاولت خلال السنوات الأخيرة إعادة صياغة المنطقة وفق مقاربات جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والتحالفات الأمنية، إلا أن هذه المقاربة اصطدمت باستمرار بحقيقة أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي العربي والإسلامي.
ويضيف أن أي محاولة لبناء شرق أوسط جديد دون معالجة جذور الصراع الأساسية ستبقى مشروعاً هشّاً، لأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التوازنات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى شرعية سياسية وعدالة تاريخية ومعالجة فعلية للأزمات البنيوية التي صنعت الصراع منذ بداياته.
وفي سياق التحولات الدولية، يشير أبو الحسن إلى أن الولايات المتحدة نفسها تعيش مرحلة مراجعة عميقة لدورها العالمي، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة تتعلق بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية.
ويرى أن هذه التحولات بدأت تنعكس بوضوح على النقاش الأمريكي حول الشرق الأوسط، حيث تتزايد الأصوات داخل الأوساط السياسية والفكرية والإعلامية التي تتساءل عن جدوى الاستمرار في الانخراط في صراعات طويلة ومفتوحة تستنزف الموارد وتزيد الانقسامات الداخلية دون تحقيق نتائج حاسمة.
ويضيف أن التوترات المرتبطة بإيران أصبحت جزءاً مركزياً من هذا النقاش، خصوصاً مع تصاعد التحذيرات داخل الغرب من أن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة على الولايات المتحدة والدول الغربية، في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي واعتماد الأسواق الدولية على استقرار الطاقة والممرات الاستراتيجية في المنطقة.
كما يشير أبو الحسن إلى أن بعض النقاشات الغربية بدأت تتناول بصورة أكثر وضوحاً طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتأثير استمرار التصعيد في الشرق الأوسط على المصالح الغربية الأوسع، خصوصاً مع تزايد المخاوف من أن تتحول أزمات المنطقة إلى عبء استراتيجي طويل الأمد على الغرب.
ويرى أن العالم يدخل تدريجياً مرحلة تتراجع فيها قدرة أي قوة منفردة على فرض الهيمنة المطلقة، مقابل صعود نظام أكثر تعقيداً يقوم على تعدد القوى وتشابك المصالح وتداخل الصراعات، ما يجعل الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم عرضة للتحولات الكبرى خلال السنوات المقبلة.
ويختم الباحث والأكاديمي الفلسطيني عماد أبو الحسن بالتأكيد على أن المنطقة تعيش اليوم لحظة إعادة تشكيل تاريخية، حيث تنهار تدريجياً القواعد القديمة التي حكمت الشرق الأوسط لعقود، بينما لم تستقر التوازنات الجديدة بعد، ما يجعل الإقليم مفتوحاً على احتمالات واسعة بين استمرار الصراعات أو الانتقال نحو مرحلة جديدة تقوم على توازنات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للهيمنة الأحادية.