ويرى شديد أن إسرائيل تواجه للمرة الأولى منذ عقود بيئة استراتيجية لا تستطيع السيطرة الكاملة عليها أو إدارتها وفق الأدوات التقليدية التي اعتمدت تاريخياً على التفوق العسكري المطلق والدعم الغربي غير المحدود والقدرة على نقل المعركة سريعاً إلى أرض الخصوم. ويعتبر أن التحولات المتراكمة في المنطقة، من صعود قوى المقاومة إلى التغيرات داخل النظام الدولي نفسه، أدت إلى إنتاج واقع جديد أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم.
كما أن أحد أهم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقال الصراع مع إسرائيل من إطار المواجهات التقليدية المحدودة إلى إطار أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو عدد الطائرات والدبابات، بل بقدرة الأطراف المختلفة على الصمود وإدارة الاستنزاف الطويل وفرض كلفة استراتيجية متبادلة.
ويشير إلى أن العدو الإسرائيلي يواجه اليوم معضلة بنيوية تتعلق بتغيّر طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة به، إذ إن إسرائيل التي بُنيت عقيدتها الأمنية لعقود على فكرة الحسم السريع والتفوق النوعي والردع النفسي، باتت مضطرة للتعامل مع واقع مختلف يقوم على تعدد الجبهات وتشابك الساحات وتراجع القدرة على إنهاء الصراعات بصورة نهائية.
ويضيف أن تجربة حزب الله مثّلت نقطة مفصلية في هذا التحول، لأنها لم تقتصر على البعد العسكري، بل أسهمت في إعادة صياغة جزء كبير من التفكير الاستراتيجي في المنطقة. فالمسألة، وفق شديد، لم تعد مرتبطة فقط بإمكان إيقاع خسائر ميدانية، بل بفرض معادلة تمنع الطرف الآخر من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية بسهولة، وهو ما أدى إلى تآكل جزء من مفهوم الردع التقليدي الذي اعتمدت عليه إسرائيل لعقود طويلة.
ويرى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تدرك أن أي حرب واسعة في المستقبل لن تكون شبيهة بالحروب السابقة، لأن المواجهة لم تعد محصورة بجبهة واحدة أو زمن قصير، بل قد تتحول إلى حالة استنزاف إقليمية مفتوحة تشمل الجوانب العسكرية والاقتصادية والنفسية والإعلامية، وهو ما يفرض على إسرائيل أثماناً متزايدة يصعب احتواؤها بسرعة.
ويعتبر شديد أن هذا التحول انعكس بوضوح على الداخل الإسرائيلي، حيث تصاعدت النقاشات حول حدود القوة العسكرية وجدوى الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية، في ظل تزايد الانقسامات السياسية والاجتماعية والأزمات المرتبطة بالهوية وطبيعة النظام السياسي ومستقبل العلاقة بين مكونات المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ويشير إلى أن إسرائيل تعيش اليوم أزمة مركبة تتجاوز البعد الأمني، لأنها تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بصورة الدولة وهيبتها الإقليمية وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي في ظل بيئة استراتيجية تتغير بصورة متسارعة.
أما في ما يتعلق بمسار التطبيع، فيرى شديد أن إسرائيل حاولت خلال السنوات الأخيرة استثمار التحولات الإقليمية لبناء شبكة علاقات وتحالفات جديدة تقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية، غير أن هذا المسار، رغم أهميته السياسية، لم ينجح في إنهاء حالة التوتر العميق المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن التطبيع عالج جانباً من العلاقات الرسمية بين الدول، لكنه لم يتمكن من معالجة البعد الشعبي والتاريخي والثقافي للصراع، ولذلك بقيت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة داخل الوعي العربي والإسلامي رغم كل التحولات السياسية.
ويرى شديد أن المنطقة تعيش اليوم صراعاً بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الشرق الأوسط وفق ترتيبات أمنية وتحالفات جديدة مرتبطة بالمصالح الدولية والإقليمية، ومشروع آخر يرى أن الصراع ما يزال مرتبطاً بمفاهيم السيادة والهوية ورفض الهيمنة الخارجية.
وفي سياق التحولات الدولية، يشير شديد إلى أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تمتلك هامش الحركة ذاته الذي كانت تمتلكه بعد نهاية الحرب الباردة، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة داخل المجتمع الأمريكي.
ويرى أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم والانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات التقليدية أدت جميعها إلى تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى الاستمرار في لعب دور الشرطي العالمي، وحول كلفة الانخراط في صراعات الشرق الأوسط تحديداً.
ويضيف أن التوترات المرتبطة بإيران تحولت إلى جزء أساسي من هذا الجدل، حيث تتزايد التحذيرات داخل الأوساط الأمريكية والغربية من أن أي مواجهة إقليمية واسعة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي.
كما يشير شديد إلى أن جزءاً من النقاش الغربي بدأ يتناول بصورة أكثر وضوحاً طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وحدود تأثير السياسات الإسرائيلية على المصالح الغربية الأوسع، خصوصاً مع تنامي المخاوف من أن تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى عبء استراتيجي واقتصادي طويل الأمد على الغرب.
ويرى أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة تتراجع فيها قدرة أي قوة على فرض هيمنة مطلقة أو إدارة النظام الدولي بصورة منفردة، مقابل صعود توازنات جديدة تقوم على تعدد القوى وتشابك المصالح وتزايد الحروب غير التقليدية.
ويختم الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد بالتأكيد على أن الشرق الأوسط يدخل اليوم مرحلة مختلفة كلياً عمّا عرفه خلال العقود الماضية، حيث تنهار تدريجياً القواعد القديمة للصراع والهيمنة، بينما تتشكل في المقابل معادلات جديدة أكثر تعقيداً تقوم على الردع المتبادل والاستنزاف الطويل وتغيّر طبيعة القوة نفسها في النظام الإقليمي والدولي.