وبينما تراقب عواصم المنطقة نتائج هذه التطورات، تتزايد الأسئلة حول انعكاسات الحرب على موازين القوى، ومستقبل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ودور قوى المقاومة في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، أكد المتحدث الرسمي باسم كتائب سيد الشهداء الشيخ كاظم الفرطوسي، في حديث لموقع
إسلام تايمز أن الولايات المتحدة تعيش اليوم تداعيات فشل إستراتيجي كبير في المنطقة، وأن الحرب الأخيرة كشفت حجم التحولات التي طرأت على موازين الردع، مشددًا على أن ما تحقق من إنجازات لا يقتصر على إيران ومحور المقاومة فحسب، بل يمتد أثره إلى المنطقة بأسرها.
استهل الفرطوسي حديثه بالتوقف عند مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، معتبرًا أن فهم طبيعة السلوك الأميركي في هذه المرحلة لا يمكن أن يتم بمعزل عن النتائج التي أفرزتها الحرب الأخيرة.
وقال الفرطوسي إن الإدارة الأميركية تدرك جيدًا أنها خرجت من المواجهة الأخيرة وهي تواجه حالة من الإخفاق السياسي والعسكري، الأمر الذي دفعها إلى محاولة تعويض هذه الخسارة عبر بوابة المفاوضات. وأوضح أن واشنطن تسعى إلى تحقيق أي مكسب، ولو كان شكليًا أو إعلاميًا، تستطيع من خلاله إقناع الرأي العام الأميركي بأنها نجحت في فرض بعض شروطها أو تحقيق جزء من أهدافها.
وأضاف أن الولايات المتحدة التي اعتادت فرض إرادتها على الدول والشعوب وجدت نفسها هذه المرة أمام واقع مختلف تمامًا، حيث اصطدمت بقدرة إيران ومحور المقاومة على الصمود والمواجهة، ما أدى إلى سقوط الكثير من رهاناتها السياسية والعسكرية.
وأشار إلى أن الجانب الأميركي لا يواجه تحديًا يتعلق بالملف النووي الإيراني فقط، بل يواجه أيضًا استحقاقات مرتبطة بالوضع الإقليمي، وفي مقدمها الملف اللبناني، وما يرتبط به من ضغوط متزايدة على حكومة الاحتلال ""الإسرائيلي"" للالتزام بنتائج التطورات الأخيرة ومخرجاتها السياسية والأمنية.
وعن نتائج الحرب الأخيرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رأى الفرطوسي أن الإنجاز الأكبر لم يكن عسكريًا فقط، بل تجسد أيضًا في المشهد الشعبي الداخلي الذي فاجأ خصوم إيران.
وأوضح أن الكثير من مراكز القرار الغربية كانت تراهن على أن تؤدي الحرب إلى انفجار الأوضاع الداخلية في إيران، مستفيدة من بعض التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ما حدث جاء معاكسا تمامًا لكل هذه التقديرات. وقال إن الشعب الإيراني نزل إلى الساحات معلنًا وقوفه إلى جانب دولته وقيادته وقواته المسلحة، ما شكّل رسالة واضحة بأن الرهان على تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية كان رهانًا خاسرًا منذ البداية.
وأكد أن هذا الالتفاف الشعبي اكتسب أهمية استثنائية نظرًا لحجم التضحيات التي قدمتها الجمهورية الإسلامية منذ الساعات الأولى للحرب، ولا سيما بعد استشهاد عدد من القادة العسكريين البارزين، الأمر الذي كان يُفترض وفق حسابات العدوّ أن يترك آثارًا سلبية على معنويات الإيرانيين، لكنه أدى إلى نتائج معاكسة تمامًا وأن هذه الوحدة الوطنية تحولت إلى أحد أهم عناصر القوّة التي ساهمت في صمود إيران وقدرتها على إدارة المواجهة.
وفي تقييمه للمعركة الإعلامية التي رافقت الحرب، أكد الفرطوسي أن أحد أبرز مظاهر الانتصار تمثل في عجز الآلة الإعلامية الأميركية والإسرائيلية عن احتواء النتائج الميدانية أو التأثير في الرأي العام بالشكل الذي كانت تطمح إليه.
وأشار إلى أن حجم التصريحات والبيانات التي صدرت عن المسؤولين الأميركيين خلال فترة الحرب يعكس حجم الإرباك الذي أصاب المؤسسات السياسية والإعلامية الغربية وان الإدارة الأميركية وجدت نفسها مضطرة إلى خوض معركة إعلامية يومية مكثفة لمحاولة السيطرة على تداعيات الأحداث، في وقت كانت الوقائع الميدانية تتحدث بلغة مختلفة تمامًا.
وأضاف أن هذا الأمر يكشف حجم الأزمة التي واجهها الطرف المقابل، خصوصًا أن المعارك الحديثة لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل أصبحت الجبهة الإعلامية جزءًا أساسيًا من ميدان المواجهة.
وأكد الفرطوسي أن الإنجازات التي تحققت خلال الحرب لا ينبغي النظر إليها من زاوية إيرانية ضيقة، بل باعتبارها إنجازًا إقليميًا ودوليًا أوسع وأن قدرة إيران على إدارة المواجهة في ظل تعدد الجبهات والضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية تمثل سابقة مهمّة في تاريخ المنطقة، مشيرًا إلى أن الحرب كشفت حدود القوّة الأميركية وأظهرت أن فرض الإرادة بالقوة لم يعد أمرًا ممكنًا كما كان في السابق.
وبيّن أن كثيرًا من الدول بدأت تنظر إلى التطورات الأخيرة باعتبارها مؤشرًا على تراجع الهيمنة الأميركية، وهو ما شجع العديد منها على اتّخاذ مواقف أكثر استقلالية في مواجهة الضغوط الغربية وأن ما تحقق لا يمثل انتصارًا لإيران فقط، بل يشكّل مكسبًا لكل الشعوب والدول التي تسعى إلى تعزيز استقلال قرارها السياسي بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
وتوقف الفرطوسي عند مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، معتبرًا أن الحرب الأخيرة وجهت ضربة قوية للفلسفة التي قامت عليها منظومة القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط وأن هذه القواعد التي أنفقت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات أثبتت محدودية فعاليتها، سواء في حماية نفسها أو في حماية الدول التي تستضيفها.
وأضاف أن الأحداث الأخيرة كشفت أن وجود هذه القواعد قد يتحول في بعض الأحيان إلى مصدر تهديد للدول المضيفة بدل أن يكون عامل استقرار لها، خصوصًا عندما تصبح جزءًا من أي مواجهة إقليمية واسعة.
وشدد على أن صورة هذه القواعد بوصفها مظلة أمنية قادرة على ردع الخصوم تلقت ضربة كبيرة، بعدما ظهر بوضوح أنها عاجزة عن منع الهجمات أو ضمان الأمن الذي وُجدت من أجله وأن وظيفة هذه القواعد لم تعد خافية على أحد، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من دورها يرتبط بتأمين المصالح "الإسرائيلية" في المنطقة، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أنها فشلت حتّى في تحقيق هذا الهدف.
وعن واقع المقاومة الإسلامية في لبنان، أكد الفرطوسي أن حزب الله استطاع رغم الخسائر والتضحيات الكبيرة أن يفرض معادلات جديدة في الصراع مع الاحتلال.
وأشار إلى أن الأشهر الطويلة التي سبقت الحرب شهدت اعتداءات "إسرائيلية" واسعة على مختلف المناطق اللبنانية، وسط محاولات لإظهار الاحتلال بمظهر الطرف القادر على فرض قواعد الاشتباك التي يريدها إلا أن المقاومة نجحت في كسر هذه الصورة وإعادة التوازن إلى المشهد، عبر فرض حضورها في المعادلات السياسية والعسكرية الجديدة.
وأضاف أن مجرد إدخال الملف اللبناني إلى قلب المفاوضات الإقليمية والدولية يمثل بحد ذاته إنجازًا سياسيًا مهمًا، لأنه يفتح الباب أمام التزامات جديدة تتعلق بوقف الاعتداءات "الإسرائيلية" وإعادة إعمار المناطق المتضررة وأن هذا التطور قد يدفع العديد من الدول إلى إعادة الانخراط في جهود دعم لبنان بعدما كانت تتعامل مع هذه الملفات بكثير من التحفظ.
وأكد الفرطوسي أن جوهر الصراع لا يتعلق برد فعل على حدث معين أو مواجهة ظرفية، بل يرتبط بمشروع ""إسرائيلي"" توسعي طويل الأمد وأن العديد من الشخصيات والتيارات السياسية والدينية داخل الكيان ""الإسرائيلي"" تعلن بشكل متكرر رؤى توسعية تتجاوز حدود فلسطين المحتلة، ما يجعل من مواجهة هذا المشروع ضرورة استراتيجية بالنسبة لشعوب المنطقة مشدّدًا على أن المقاومة تعاملت مع هذه التهديدات باعتبارها خطرًا قائمًا بالفعل، وليس مجرد احتمالات مستقبلية، ولذلك سعت إلى اتّخاذ خطوات استباقية لمنع تحولها إلى واقع مفروض.
وفي حديثه عن التطورات الميدانية في جنوب لبنان، رأى الفرطوسي أن التوسع ""الإسرائيلي"" المستمر يحمل في طياته عناصر استنزاف متزايدة لقوات الاحتلال. وأوضح أن أي تمدد إضافي، سواء على المستوى العرضي أو الطولي، يؤدي تلقائيًا إلى زيادة مساحة الاحتكاك مع المقاومة ورفع احتمالات تعرض القوات "الإسرائيلية" للاستهداف.
وأضاف أن إصرار حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو على تحقيق مكاسب سياسية داخلية يدفعها إلى اتّخاذ خطوات ميدانية تزيد من المخاطر التي تواجه قواتها على الأرض.
وأشار إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن تجاوز بعض المناطق أو إعلان السيطرة عليها لا يعني بالضرورة إنهاء فاعلية المقاومة فيها، لافتًا إلى أن العديد من المناطق التي أعلن الاحتلال إحكام السيطرة عليها شهدت لاحقًا عمليات عسكرية ومواجهات مباشرة.
وأكد أن المقاومة لم تعد محكومة بالمعايير الجغرافية التقليدية التي يعتمد عليها الاحتلال في حساباته العسكرية، بل باتت تمتلك قدرة أكبر على الحركة والمبادرة، الأمر الذي يجعل أي توسع ""إسرائيلي"" جديد عاملًا إضافيًا في زيادة الاستنزاف بدل أن يكون عنصرًا للحسم.
وفي حديثه لموقعنا، شدد الفرطوسي على أن المقاومة استطاعت خلال السنوات الأخيرة إسقاط كثير من المفاهيم التي اعتمد عليها الاحتلال في استراتيجيته العسكرية، وفي مقدمتها فكرة السيطرة الجغرافية بوصفها طريقًا للحسم.
وأكد أن التجارب الميدانية المتراكمة أثبتت أن قدرة المقاومة على العمل والاستمرار لا ترتبط بمساحات محددة أو مناطق بعينها، بل بامتلاكها الإرادة والقدرة على المبادرة والتكيف مع مختلف الظروف.
وختم بالتأكيد أن أي توسع ""إسرائيلي"" إضافي داخل الأراضي اللبنانية لن يؤدي إلى تعزيز أمن الاحتلال، بل سيزيد من حجم الأعباء العسكرية واللوجستية التي يتحملها، ويوفر للمقاومة فرصًا أكبر لتوسيع دائرة