وفي هذا السياق، أكد عضو الهيئة المركزية في المجلس الإسلامي العلمائي في البحرين الشيخ محمد المنسي، في حديث لموقع "
إسلام تايمز"، أن ما يجري اليوم لم يعد يندرج في إطار إجراءات أمنية متفرقة أو ملاحقات فردية، بل بات يمثل سياسة رسمية واضحة المعالم تستهدف شريحة محددة من المواطنين على أساس انتمائهم الديني ومواقفهم السياسية.
وقال المنسي إن السلطات البحرينية "حددت خصمها المباشر بشكل واضح، ولم تعد تخفي طبيعة الإجراءات التي تنفذها بحق المواطنين الشيعة"، مشيراً إلى أن الأشهر الماضية شهدت تصاعداً غير مسبوق في عمليات التوقيف والاستدعاء والتحقيق، تحت ذرائع سياسية بحتة لا تمت بصلة إلى أي مخالفات جنائية حقيقية.
وأوضح أن ما جرى خلال فترة العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبعدها كشف بصورة أكبر طبيعة هذه السياسة، إذ جرى استهداف مواطنين بحرينيين بسبب نشرهم أو تداولهم معلومات وصور تتعلق بالضربات التي استهدفت المصالح الأميركية في البحرين، أو بسبب مواقفهم السياسية المتضامنة مع إيران، بل إن بعضهم تعرض للملاحقة لمجرد تبنيه قناعات فكرية أو دينية مرتبطة بمبدأ ولاية الفقيه.
ورأى المنسي أن هذا الواقع يؤكد أن السلطة تتعامل مع الانتماءات الفكرية والسياسية باعتبارها تهديداً أمنياً، في وقت تتجاهل فيه الحقوق الأساسية التي تكفلها القوانين الدولية والمواثيق المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والاعتقاد.
التغطية على أزمة السيادة
وأشار المنسي إلى أن كثيرين داخل البحرين وخارجها يربطون بين تصاعد الإجراءات الأمنية وبين الدور الذي تؤديه المملكة ضمن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لافتاً إلى أن السلطة تحاول توجيه الأنظار نحو الداخل وتكثيف القبضة الأمنية للتغطية على حالة الاعتراض الشعبي المتزايدة تجاه انخراط البحرين في مشاريع عسكرية وأمنية مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها.
وأضاف أن المفارقة تكمن في أن المواطنين الذين يعترضون على الوجود العسكري الأجنبي أو على استخدام الأراضي البحرينية في صراعات إقليمية يُتهمون بالإضرار بالأمن الوطني، بينما يجري التغاضي عن قضايا تمس السيادة الوطنية بصورة مباشرة.
وأكد أن هذه المعادلة أنتجت حالة من المظلومية الواضحة داخل المجتمع البحريني، حيث يجري تصوير فئة وطنية كاملة على أنها موضع شك دائم، وتُوجَّه إليها اتهامات التخوين والعمالة بصورة مستمرة، على الرغم من أن أبناء هذه الفئة كانوا ولا يزالون جزءاً أصيلاً من تاريخ البحرين وهويتها الوطنية.
شعارات التسامح وسلوك الإقصاء
وفي تقييمه للمشهد الحقوقي والسياسي، اعتبر المنسي أن السلطة البحرينية أمضت السنوات التي تلت أحداث عام 2011 في محاولة تحسين صورتها الخارجية عبر الترويج لخطاب يقوم على التسامح الديني والتعايش والانفتاح، مستفيدة من الحملات الإعلامية والعلاقات العامة الموجهة إلى العواصم الغربية والمنظمات الدولية.
إلا أنه رأى أن الممارسة الفعلية على الأرض سارت في اتجاه مغاير تماماً، إذ أثبتت الوقائع المتراكمة أن المقاربة الأمنية بقيت هي الحاكمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وأن الحديث عن التعددية والشراكة الوطنية ظل أقرب إلى الشعارات منه إلى السياسات الواقعية.
وأوضح أن من يعتمد منطق القبضة الأمنية في إدارة الدولة يصعب عليه قبول شراكة حقيقية مع المكونات الأخرى للمجتمع، ولذلك استمرت سياسات التهميش والإقصاء بأشكال مختلفة طوال السنوات الماضية.
استهداف المؤسسة الدينية
وأكد المنسي أن ما يثير القلق بشكل خاص هو انتقال الاستهداف من المجال السياسي إلى المجال الديني والاجتماعي، حيث باتت المؤسسات الدينية والعلمائية والمراكز المرتبطة بالهوية المذهبية عرضة لضغوط متزايدة.
وأشار إلى أن استهداف العلماء والخطباء وأئمة الجمعة والجماعة والناشطين الدينيين لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال الديني في البحرين بما يجعله أكثر خضوعاً للسلطة وأقل قدرة على التعبير المستقل عن قضايا المجتمع وهمومه.
وأضاف أن السلطات تدرك المكانة التي تحتلها المرجعيات الدينية والمؤسسات العلمائية داخل المجتمع البحريني، ولذلك تسعى إلى تقليص تأثيرها وإضعاف حضورها العام من خلال الاعتقالات والاستدعاءات والضغوط الإدارية والأمنية.
ورأى أن هذه السياسات تمثل محاولة لتجفيف مصادر القوة المجتمعية والثقافية والدينية التي حافظت على حضورها رغم سنوات التضييق الطويلة.
عاشوراء في دائرة الاستهداف
وفي ما يتعلق بموسم عاشوراء المقبل، حذر المنسي من مؤشرات متزايدة تدل على وجود توجه رسمي لتشديد الرقابة على النشاطات الدينية والشعائرية المرتبطة بهذه المناسبة.
وأوضح أن الاعتقالات التي طالت عدداً من الخطباء والرواديد والناشطين في المواكب الحسينية خلال الفترة الماضية لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحضيرات الجارية لموسم عاشوراء، لافتاً إلى أن هناك محاولات واضحة للتأثير في مضمون الخطاب الديني وتحديد سقوفه السياسية والثقافية.
وأضاف أن السلطة تبدو حريصة على ضبط كل تفاصيل الإحياء العاشورائي، من طبيعة الخطاب إلى آليات التنظيم والتوقيت، في إطار سعيها لفرض رقابة أشمل على الفضاء الديني العام.
إلا أنه شدد في المقابل على أن المجتمع البحريني يمتلك خبرة طويلة في مواجهة هذه التحديات، وأن الذاكرة الجماعية ما زالت تحتفظ بتجارب مشابهة شهدتها البلاد خلال ثمانينيات القرن الماضي عندما تعرضت الشعائر الحسينية والمواكب الدينية لموجات من التضييق والاستهداف.
سيناريو التصعيد مستمر
وحول المرحلة المقبلة، توقع المنسي استمرار النهج الأمني الحالي، مشيراً إلى أن المؤشرات المتوافرة توحي بأن السلطات تتجه نحو تشديد الإجراءات القضائية والأمنية بحق المعتقلين.
وأوضح أن طريقة التعامل مع الملفات الأخيرة، سواء على مستوى التحقيقات أو التغطية الإعلامية أو أداء النيابة العامة، تعكس وجود قرار سياسي بالمضي في سياسة الردع والتشدد، ما ينذر بمزيد من الأحكام والإجراءات العقابية خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن الأزمة في البحرين لم تعد تقتصر على ملف حقوقي أو أمني، بل باتت تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، مشدداً على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتقالات والملاحقات أو عبر محاولات إخضاع المكونات الاجتماعية والدينية، وإنما عبر الاعتراف بالشراكة الوطنية الكاملة واحترام الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين دون تمييز.
وختم المنسي بالتأكيد أن استمرار سياسة الإقصاء والتضييق لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي وزيادة الاحتقان، داعياً إلى مراجعة شاملة للمقاربات الأمنية واعتماد مسار سياسي وحقوقي يضمن العدالة والمساواة ويحفظ وحدة المجتمع البحريني واستقراره.