0
الثلاثاء 16 حزيران 2026 ساعة 14:59

الشيخ جاسم بدر المطوع لـ"إسلام تايمز": البحرين أمام مرحلة إعادة هندسة للمجتمع.. والاستهداف تجاوز السياسة إلى الهوية الدينية والثقافية

الشيخ جاسم بدر المطوع لـ"إسلام تايمز": البحرين أمام مرحلة إعادة هندسة للمجتمع.. والاستهداف تجاوز السياسة إلى الهوية الدينية والثقافية

وفي هذا الإطار، رأى الشيخ جاسم بدر المطوع، في حديث لموقع "إسلام تايمز"، أن ما تشهده البحرين اليوم لا يمكن قراءته باعتباره إجراءات أمنية مرتبطة بظروف طارئة أو أحداث عابرة، بل هو جزء من مشروع متدرج يعمل منذ سنوات على إعادة تشكيل المجال العام في البلاد وإخضاع مختلف المؤسسات الاجتماعية والدينية لرقابة السلطة وتحكمها المباشر.

وأوضح المطوع أن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح انتقال الدولة من سياسة الاحتواء والضبط إلى سياسة أكثر تشدداً تقوم على تجفيف مساحات الاستقلال المجتمعي، سواء على المستوى الديني أو الثقافي أو حتى الخيري والاجتماعي، مشيراً إلى أن الاعتقالات التي طالت علماء دين وخطباء ومشاركين في النشاطات الدينية تحمل دلالات تتجاوز بعدها الأمني المباشر.

وأكد أن ما يجري اليوم يعكس وجود قناعة لدى بعض مراكز القرار بأن أي مؤسسة مستقلة أو أي مساحة اجتماعية لا تخضع بالكامل للسلطة تمثل مصدر قلق يجب احتواؤه أو إضعافه، وهو ما يفسر اتساع دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات لم تكن منخرطة أصلاً في العمل السياسي المباشر.

ربط الهوية الدينية بالاتهامات الأمنية

وأشار المطوع إلى أن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو السعي إلى تحويل الانتماء الديني أو الموقف الفكري إلى مادة للاشتباه الأمني، لافتاً إلى أن العديد من الملفات الأخيرة بُنيت على خلفيات تتصل بالمعتقدات أو المواقف السياسية أو التضامن مع قضايا إقليمية، وليس على أفعال جنائية مثبتة.

وأضاف أن هذه المقاربة تفتح الباب أمام تصنيف شريحة واسعة من المواطنين خارج إطار المواطنة الطبيعية، وتحويلها إلى جماعة تخضع باستمرار للمراقبة والاتهام، الأمر الذي يترك آثاراً عميقة على النسيج الوطني وعلى مفهوم الدولة الجامعة لجميع أبنائها.

ورأى أن التوسع في استخدام عناوين مثل الأمن القومي أو مكافحة التطرف لتبرير ملاحقة أصحاب الآراء والمواقف المختلفة يهدد بإفراغ الحياة العامة من أي مساحة للتعبير الحر، ويجعل الخلاف السياسي أو الفكري مسوغاً للعقاب والمحاسبة.

من الاحتواء إلى إعادة الصياغة

واعتبر المطوع أن البحرين تشهد اليوم محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع وفق أسس جديدة تقوم على تقليص دور المؤسسات الأهلية والدينية المستقلة، وإحلال نماذج أكثر ارتباطاً بالمؤسسات الرسمية مكانها.

وأوضح أن السنوات الماضية شهدت خطوات متراكمة في هذا الاتجاه، إلا أن الأشهر الأخيرة أظهرت تسارعاً ملحوظاً في وتيرة هذه السياسات، ما يعكس وجود توجه نحو إعادة رسم حدود العمل الديني والاجتماعي بصورة أكثر تشدداً.

وأضاف أن السلطة لا تكتفي اليوم بضبط النشاط السياسي، بل باتت تتدخل في تفاصيل تتصل بالخطاب الديني والثقافي والاجتماعي، في محاولة لإعادة تعريف الأدوار والوظائف التي تقوم بها المؤسسات الدينية داخل المجتمع.

وأكد أن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة لأنه يضعف مؤسسات لعبت تاريخياً دوراً مهماً في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية للبحرين.

التطورات الإقليمية وانعكاساتها الداخلية

وفي قراءته للخلفيات السياسية للتصعيد الأخير، رأى المطوع أن التطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، تركت انعكاسات مباشرة على المشهد الداخلي البحريني.

وأشار إلى أن السلطات نظرت إلى حالة التعاطف الشعبي الواسعة مع قضايا المنطقة، وخصوصاً ما يتعلق بفلسطين ولبنان وإيران، باعتبارها تحدياً سياسياً وأمنياً، ما دفعها إلى تشديد الرقابة على الخطاب العام وملاحقة بعض الناشطين والمواطنين الذين عبّروا عن مواقفهم تجاه تلك الأحداث.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في وجود اختلافات سياسية أو رؤى متباينة بشأن قضايا المنطقة، بل في التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها تهديداً أمنياً يستوجب الملاحقة والعقاب.

وأكد أن المجتمعات الحية بطبيعتها تتفاعل مع محيطها وتعبّر عن مواقفها من الأحداث الكبرى، وأن تحويل هذا التفاعل إلى قضية أمنية لا يسهم في تعزيز الاستقرار بقدر ما يفاقم حالة الاحتقان الداخلي.

المؤسسة الدينية في دائرة الاستهداف

وشدد المطوع على أن استهداف العلماء والخطباء وأئمة المساجد يمثل مؤشراً بالغ الخطورة على طبيعة المرحلة المقبلة، لأن المؤسسة الدينية في البحرين ليست مجرد إطار شعائري، بل تشكل أحد أهم مكونات الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع.

وأوضح أن الاعتداء على هذا الدور أو محاولة إخضاعه بالكامل للسلطة سيؤدي إلى نتائج عكسية، لأن العلاقة بين المجتمع البحريني ومؤسساته الدينية تمتد لعقود طويلة وتتجاوز الأبعاد التنظيمية والإدارية.

وأضاف أن ما يثير القلق هو محاولة تقليص مساحة المبادرة والاستقلال التي تمتعت بها هذه المؤسسات تاريخياً، الأمر الذي ينعكس على مجمل الحياة الاجتماعية والثقافية في البلاد.

عاشوراء واختبار العلاقة مع المجتمع

وفي ما يتعلق بموسم عاشوراء، اعتبر المطوع أن الأسابيع المقبلة ستكون اختباراً مهماً لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وأشار إلى أن المؤشرات الحالية توحي بوجود رغبة رسمية في فرض قيود إضافية على النشاطات المرتبطة بالموسم العاشورائي، سواء من خلال مراقبة الخطباء والرواديد أو التدخل في مضمون الخطاب الديني والشعائري.

وأكد أن عاشوراء بالنسبة للبحرينيين ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل تمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للمجتمع، ولذلك فإن أي محاولة للتضييق عليها أو التحكم بمضامينها ستثير ردود فعل واسعة.

وأضاف أن التجارب السابقة أثبتت أن المجتمع البحريني يمتلك قدرة كبيرة على الحفاظ على شعائره وموروثه الديني رغم مختلف أشكال الضغوط والتحديات.

مستقبل المشهد البحريني

وفي ختام حديثه، رأى الشيخ جاسم بدر المطوع أن البحرين تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما الاستمرار في النهج الأمني وما يرافقه من مزيد من التوتر والانقسام، وإما العودة إلى مقاربة وطنية شاملة تقوم على الحوار والاعتراف بالتعددية واحترام الحقوق الأساسية لجميع المواطنين.

وأكد أن الاستقرار الدائم لا يتحقق عبر الاعتقالات أو الإجراءات الاستثنائية، وإنما من خلال بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، وفتح المجال أمام المشاركة الحقيقية في إدارة الشأن العام.

وختم بالقول إن قوة البحرين الحقيقية تكمن في تنوعها ووحدة شعبها، وأن أي سياسات تستهدف مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع أو تسعى إلى تهميشه ستنعكس سلباً على مستقبل البلاد واستقرارها، داعياً إلى معالجة الأزمات بالحكمة والانفتاح بدلاً من توسيع دائرة المواجهة والاحتقان الداخلي.
رقم : 1286325
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم