وأوضح، في حديث موسّع لموقع “
إسلام تايمز”، أن البحرين تعيش اليوم حالة ”إعادة إنتاج الأزمة” بدل حلها، حيث يتم التعامل مع التطورات الإقليمية كذريعة لتعزيز القبضة الأمنية داخل البلاد، بدل الانتقال إلى مقاربة سياسية تستوعب التحديات الداخلية وتعالج جذورها، مشيراً إلى أن هذا المسار بات يتخذ طابعاً تراكمياً خلال السنوات الأخيرة، وازدادت حدته بعد الحرب الأخيرة على إيران.
وأضاف أن ما يجري لا يمكن قراءته كإجراءات منفصلة أو ردود فعل ظرفية، بل كنهج متكامل يقوم على توسيع تعريف “الأمن الداخلي” ليشمل مجالات سياسية ودينية واجتماعية واسعة، الأمر الذي أدى إلى تراجع هامش الحرية العامة، وخلق حالة من “الرقابة غير المعلنة” على التعبير السياسي والديني داخل المجتمع.
وأشار الدقاق إلى أن المشهد البحريني شهد انتقالاً تدريجياً من سياسة “احتواء التوتر” إلى سياسة “إدارة الضغط”، حيث لم تعد المقاربة الرسمية تركز على امتصاص التباينات أو إدارتها سياسياً، بل باتت تميل إلى ضبطها أمنياً عبر أدوات قانونية وإجرائية مشددة، ما أدى إلى اتساع دائرة الاشتباه لتشمل شرائح أوسع من المجتمع.
ولفت إلى أن هذا التحول انعكس بشكل واضح في تصاعد الاستدعاءات والاحتجازات والإجراءات العقابية، إلى جانب استمرار سياسة إسقاط الجنسية في بعض الملفات، وهو ما أسهم في تعميق الشعور بعدم الاستقرار القانوني والاجتماعي لدى فئات واسعة، وأضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.
وأكد أن خطورة هذا النهج تكمن في كونه لا يتعامل مع الأسباب السياسية والاجتماعية للتوتر، بل يكتفي بإدارة نتائجه، ما يؤدي إلى تراكم الأزمات بدل حلها، ويجعل أي انفراج مستقبلي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتحقق دون تحول سياسي حقيقي.
وفي سياق متصل، شدد الدقاق على أن المرحلة الأخيرة شهدت اتساعاً في دائرة الاستهداف لتشمل البيئة الدينية والاجتماعية، وليس فقط الفاعلين السياسيين، حيث طالت الإجراءات علماء دين وخطباء وشخصيات اجتماعية، وهو ما يعكس اتجاهاً لإعادة تشكيل المجال الديني العام وفق معايير أكثر تقييداً وانضباطاً.
وأضاف أن التعامل مع الانتماء الفكري أو الديني بوصفه مؤشراً أمنياً يمثل تحوّلاً خطيراً في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لأنه ينقل الاختلاف من كونه حالة طبيعية داخل المجتمع إلى كونه “ملفاً أمنياً”، ما يضعف البنية الاجتماعية ويؤثر على توازناتها التاريخية.
وأشار إلى أن هذه السياسات ترافقها في بعض الحالات حملات إعلامية وتشويهية تستهدف رموزاً دينية واجتماعية، الأمر الذي يزيد من حالة الاحتقان ويعمّق الفجوة بين مكونات المجتمع والدولة.
وأكد الدقاق أن أحد أبرز نتائج هذا المسار يتمثل في تآكل الثقة بين الدولة ومكوّنات واسعة من المجتمع، نتيجة غياب أي مسار سياسي جاد قادر على معالجة الملفات العالقة، مشيراً إلى أن استمرار إدارة الملف الداخلي عبر الأدوات الأمنية فقط أدى إلى إغلاق مساحات الحوار وتحويلها إلى قنوات محدودة وغير فاعلة.
وأوضح أن غياب الأفق السياسي لا يؤدي فقط إلى جمود المشهد، بل إلى تراكم التوترات بشكل صامت، بحيث تبقى قابلة للانفجار عند أي تطور داخلي أو إقليمي، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية متوترة ومعقدة.
وفي السياق الإقليمي أشار الشيخ الدقاق إلى أن بعض التطورات الخارجية يتم توظيفها داخلياً لتبرير مزيد من التشدد الأمني، ما يؤدي إلى نقل الاستقطاب الإقليمي إلى الداخل البحريني، وتحويله إلى عامل ضغط إضافي على المجتمع، بدل أن يكون دافعاً لسياسات تهدئة وانفتاح.
وأضاف أن هذا التداخل بين الإقليمي والداخلي يخلق بيئة سياسية غير مستقرة، حيث تصبح القرارات الداخلية مرتبطة بشكل مباشر بالتطورات الخارجية، ما يضعف استقلالية القرار السياسي الداخلي ويزيد من حساسية المشهد العام.
وختم الشيخ الدقاق بالتأكيد على أن استمرار النهج الأمني في إدارة الداخل البحريني، في ظل هذا السياق الإقليمي المتوتر، لن يؤدي إلى إنتاج استقرار حقيقي، بل إلى “تثبيت أزمة مؤجلة” تتعمق مع الوقت، مشدداً على أن الحل يكمن في إعادة الاعتبار للمسار السياسي، وفتح قنوات حوار حقيقية تعالج جذور الإشكالات بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
وأكد أن أي استقرار مستدام لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو توسيع دائرة الاستهداف، بل على بناء شراكة وطنية حقيقية تستوعب التنوع السياسي والاجتماعي والديني، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، باعتبارها المدخل الأساسي لأي تهدئة دائمة في البلاد.