0
الجمعة 26 حزيران 2026 ساعة 07:42

د. نبيل كحلوش لإسلام تايمز: الحرب على إيران بداية لعصر ما بعد أميركا

د. نبيل كحلوش لإسلام تايمز: الحرب على إيران بداية لعصر ما بعد أميركا
وفي هذا السياق، يقدّم الباحث الجزائري في العلاقات الدولية الدكتور نبيل كحلوش قراءة استراتيجية لنتائج الحرب، معتبرًا أن ما جرى لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم وعن التراجع المتدرج لمنظومة الهيمنة الغربية التي حكمت المنطقة لعقود.

يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور نبيل كحلوش أن العدوان الأميركي – الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يكن يستهدف إيران بوصفها دولة فحسب، بل كان يستهدف نموذجًا سياسيًا واستراتيجيًا نجح خلال العقود الماضية في بناء حالة استقلالية عن المنظومة الغربية، وفي تأسيس شبكة واسعة من التوازنات الإقليمية التي حالت دون استفراد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بالمنطقة.

وفي حديث لموقع "إسلام تايمز"، يؤكد كحلوش أن القراءة الحقيقية للحرب يجب أن تنطلق من طبيعة الأهداف التي سبقتها. فواشنطن و"تل أبيب" لم تكونا تبحثان عن معالجة ملف تقني يتعلق بالبرنامج النووي أو الحد من قدرات عسكرية محددة، بل كانتا تسعيان إلى إحداث تحول استراتيجي شامل يفتح الطريق أمام شرق أوسط جديد تُعاد صياغة خرائط النفوذ فيه وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية.

ويشير إلى أن جوهر المشروع كان يقوم على كسر الحلقة المركزية التي تمثلها إيران في معادلات المنطقة، باعتبارها الدولة التي استطاعت طوال العقود الماضية منع اكتمال مشروع الهيمنة الشاملة، وإفشال محاولات تحويل المنطقة إلى فضاء سياسي وأمني خاضع بالكامل للإرادة الأميركية.

ويعتبر كحلوش أن ما فاجأ دوائر القرار الغربية لم يكن القدرات العسكرية الإيرانية وحدها، بل طبيعة المجتمع الإيراني نفسه. فالكثير من التقديرات بُنيت على فرضية أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستؤدي إلى انفجار داخلي وانقسام مجتمعي حاد، إلا أن الحرب أظهرت أن التهديد الخارجي غالبًا ما يعيد إنتاج التماسك الوطني داخل الدول التي تمتلك هوية سياسية وحضارية راسخة.

ويضيف أن إيران لم تخض المعركة باعتبارها مواجهة حدودية أو نزاعًا تقليديًا، بل تعاملت معها كصراع وجودي يتعلق بمستقبل الدولة واستقلالها ودورها الإقليمي. ولذلك جاءت الاستجابة الإيرانية مركبة، جمعت بين الصمود العسكري وإدارة المعركة السياسية والنفسية والإعلامية، وهو ما حال دون تحقيق الأهداف التي رُسمت للحرب.

ويرى كحلوش أن أحد أهم الدروس التي أفرزتها المواجهة يتمثل في سقوط نظرية "الحسم التكنولوجي" التي راهنت عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فالتفوق التقني والاستخباري لم ينجح في إنتاج انتصار سياسي، وأثبتت الأحداث أن امتلاك أحدث الأسلحة لا يكفي عندما يكون الطرف المقابل مستعدًا لتحمل الكلفة والاستمرار في المواجهة.

ويؤكد أن الحرب كشفت عن أزمة أعمق تعيشها الولايات المتحدة نفسها، وهي الفجوة المتزايدة بين حجم القوة التي تمتلكها وبين قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستقرة. فواشنطن باتت تواجه عالمًا أكثر تعقيدًا، لم تعد فيه الأدوات العسكرية وحدها قادرة على فرض الإرادات كما حدث بعد انتهاء الحرب الباردة.

ويشير إلى أن العدوان على إيران جاء في لحظة تشهد فيها الولايات المتحدة تراجعًا تدريجيًا في قدرتها على إدارة عدة جبهات في آن واحد، سواء في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط. ولذلك فإن أي مواجهة طويلة ومكلفة كانت مرشحة لأن تتحول إلى عبء استراتيجي إضافي على الإدارة الأميركية أكثر من كونها فرصة لتحقيق مكاسب جديدة.

أما فيما يتعلق بالكيان الصهيوني، فيرى كحلوش أن الحرب كشفت حجم الأزمة البنيوية التي يعيشها المشروع الإسرائيلي نفسه. فبعد عقود من الاعتماد على التفوق العسكري المطلق والردع النفسي، بات الاحتلال يواجه بيئة إقليمية مختلفة تمامًا، حيث لم يعد الخصوم يخشون المواجهة بالدرجة نفسها، كما أن قدرة "إسرائيل" على فرض شروطها السياسية تراجعت بصورة واضحة مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة.

ويعتبر أن أحد أخطر النتائج التي أفرزتها الحرب يتمثل في انتقال محور المقاومة من مرحلة الدفاع الاستراتيجي إلى مرحلة تثبيت معادلات التأثير الإقليمي. فالمواجهة الأخيرة لم تقتصر على منع تحقيق أهداف العدوان، بل ساهمت في تعزيز قناعة قوى المحور بأنها باتت تمتلك من عناصر القوة ما يسمح لها بالمشاركة الفعلية في رسم مستقبل المنطقة.

وفي هذا الإطار، يؤكد كحلوش أن حزب الله يشكل نموذجًا بارزًا لهذا التحول. فرغم سنوات الحصار والاستهداف السياسي والإعلامي والأمني، ما زال الحزب يمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الردع الإقليمية. كما أن استمرار قدراته العسكرية والتنظيمية يؤكد فشل كل المشاريع التي سعت إلى عزله أو إنهاء دوره.

ويضيف أن أهمية حزب الله لا تكمن فقط في قدراته الميدانية، بل في كونه جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تربط بين قضايا التحرر الوطني والاستقلال السياسي ومواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، وهو ما يفسر استمرار حضوره وتأثيره رغم حجم الضغوط التي يتعرض لها.

ويرى كحلوش أن الحرب الأخيرة أظهرت أيضًا حدود مشاريع التطبيع التي جرى الترويج لها خلال السنوات الماضية باعتبارها بوابة للاستقرار الإقليمي. فالأحداث أثبتت أن تجاوز القضية الفلسطينية أو محاولة بناء ترتيبات أمنية على حساب شعوب المنطقة لم يؤدِ إلى إنتاج استقرار حقيقي، بل ساهم في تعميق الأزمات وإبقاء عوامل الانفجار قائمة.

وعلى المستوى الدولي، يعتبر أن العالم يتجه بشكل متسارع نحو مرحلة ما بعد الأحادية القطبية. فصمود إيران في مواجهة تحالف عسكري وسياسي وإعلامي واسع يحمل دلالات تتجاوز حدود المنطقة، لأنه يعكس تغيرًا تدريجيًا في بنية النظام الدولي وصعود قوى قادرة على تحدي الإرادة الغربية ورفض الخضوع لشروطها.

ويشير إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين دول، بل صراع بين رؤيتين للعالم: رؤية تقوم على الهيمنة واحتكار القرار الدولي، وأخرى تقوم على التعددية واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن هنا تكتسب نتائج الحرب أهمية استثنائية تتجاوز بعدها العسكري المباشر.

ويختم كحلوش بالتأكيد أن العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم يحقق التحول الاستراتيجي الذي سعت إليه واشنطن و"تل أبيب"، بل أنتج مسارًا معاكسًا تمامًا. فبدل تكريس شرق أوسط خاضع للهيمنة الأميركية، سرّعت الحرب ولادة توازنات جديدة تتراجع فيها قدرة القوة المنفردة على فرض إرادتها، وتتقدم فيها قوى إقليمية صاعدة تمتلك إرادة المقاومة والاستقلال. ويعتبر أن السنوات المقبلة ستثبت أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها، وأن المنطقة دخلت فعليًا مرحلة إعادة تشكل تاريخية ستكون نتائجها أبعد بكثير من حدود المعركة نفسها.
رقم : 1288334
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي

البريد الإلكتروني
تعليقك

أهم الأخبار
إخترنا لکم