يرى فادي الأعور أن العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران انطلق من فرضية مركزية مفادها أن التحولات الكبرى في الشرق الأوسط يمكن إنتاجها عبر ضربة استراتيجية قادرة على تفكيك مركز الثقل الإيراني، وفتح مسار انهيار متسلسل يعيد رسم الإقليم وفق هندسة جاهزة مسبقًا. غير أن تطور الأحداث كشف أن هذه الفرضية كانت تتجاهل طبيعة البنية الإيرانية، لا بوصفها دولة فقط، بل كنموذج تراكمي من الخبرة في امتصاص الصدمات وإعادة تدوير التهديدات.
ويعتبر أن الخطأ البنيوي في مقاربة الحرب تمثل في التعامل مع إيران ككيان قابل للعزل عن بيئته الإقليمية، في حين أن موقعها في شبكة توازنات تمتد عبر أكثر من ساحة جعل أي محاولة لإسقاطها أو تحييدها تتحول تلقائيًا إلى أزمة إقليمية متعددة الطبقات، لا إلى مواجهة ثنائية قابلة للحسم.
ويشير الأعور إلى أن التحول الأخطر في مسار الحرب لم يكن عسكريًا بقدر ما كان مفاهيميًا، حيث انتقل الصراع من فكرة “تحقيق الانتصار” إلى فكرة “منع الانهيار”، أي أن كل طرف بات يقيس نجاحه بقدرته على منع خصمه من بلوغ هدفه الأقصى، وهو ما يعني عمليًا انهيار مفهوم الحسم الاستراتيجي الذي حكم حروب العقود الماضية.
ومن هذا المنظور، يرى أن ما حدث هو إعادة تعريف صامتة لمفهوم القوة ذاته، إذ لم يعد التفوق يُترجم إلى نتائج سياسية مباشرة، بل إلى قدرة على إدارة سقف الصراع ومنع انفلاته، ما يجعل الحرب أقرب إلى هندسة مستمرة للتوازنات منها إلى مواجهة تنتهي بنتيجة نهائية.
ويضيف أن الجمهورية الإسلامية استطاعت تحويل الضغط العسكري المركّب إلى عامل إعادة تموضع استراتيجي، بحيث لم تعد الحرب حدثًا خارجيًا منفصلًا، بل أصبحت جزءًا من بنية القرار السياسي والأمني، الأمر الذي أفرغ الرهان على الانهيار الداخلي من مضمونه العملي، وحوّله إلى عنصر تعزيز للتماسك بدل أن يكون مدخلًا للتفكك.
ويعتبر الأعور أن أحد أكثر التحولات دلالة يتمثل في تراجع جدوى أدوات الإكراه التقليدية، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو العقوبات الاقتصادية أو الحرب النفسية، إذ أظهرت التجربة أن هذه الأدوات لم تعد تنتج “النتيجة السياسية المطلوبة” بالسرعة والفعالية نفسها التي كانت تُفترض سابقًا.
وفي قراءة أعمق لبنية الصراع، يشير إلى أن محور المقاومة لم يعد مجرد شبكة ردود فعل متفرقة، بل أصبح إطارًا استراتيجيًا ينتج توازنًا تراكميًا، حيث تتحول كل ساحة إلى جزء من معادلة ردع أوسع، لا يمكن تفكيكها دون الدخول في كلفة إقليمية شاملة.
ويؤكد أن هذا التشابك لم يعد ظرفيًا، بل بات بنيويًا، بمعنى أن أي محاولة لعزل ساحة واحدة عن الأخرى أصبحت تؤدي إلى ارتدادات في ساحات متعددة، وهو ما يحدّ من قدرة أي قوة خارجية على إدارة الصراع وفق منطق “المسرح المنفصل”.
أما على مستوى النظام الدولي، فيرى الأعور أن الحرب على إيران كشفت أن العالم لم يعد يتحرك ضمن مركز قوة واحد قادر على ضبط الإيقاع العالمي، بل ضمن شبكة مراكز متداخلة تُنتج توازنًا غير مستقر، لكنه كافٍ لمنع الانفجار الحاسم أو الهيمنة الكاملة.
ويضيف أن الولايات المتحدة، رغم استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي، تواجه اليوم معضلة تحويل القوة إلى نتائج سياسية، في ظل ارتفاع كلفة التدخلات وتراجع القدرة على فرض الحسم في بيئات معقدة ومتشابكة.
ويشير إلى أن هذا التحول ينعكس مباشرة على بنية القرار الغربي، حيث لم يعد خيار الحرب يُنظر إليه كأداة قابلة للاستخدام السريع، بل كخيار عالي المخاطر قد يفتح أبواب استنزاف طويلة بدل تحقيق مكاسب استراتيجية.
وفي هذا السياق، يعتبر أن الكيان الإسرائيلي يجد نفسه أمام سقف جديد للقدرة، إذ لم تعد عملياته العسكرية قادرة على إنتاج بيئة سياسية مستقرة، بل أصبحت جزءًا من دورة ردع متبادل تُعيد إنتاج التوازن بدل كسره.
ويختم الأعور بالتأكيد أن الحرب على إيران لم تنتج منتصرًا تقليديًا، بل أنتجت معادلة جديدة عنوانها “إدارة العجز المتبادل”، حيث بات كل طرف يعرف حدود قدرته وحدود تأثيره، ما يفتح الإقليم على مرحلة طويلة من الاستقرار غير المستقر، تُدار فيها الصراعات دون حسم، وتُعاد فيها صياغة القوة كعملية مستمرة لا كنتيجة نهائية.