وفي هذا السياق، قال القيادي في تيار الوفاء الإسلامي السيد مرتضى السندي في حديث لموقع “
إسلام تايمز” إن ما تشهده البحرين اليوم “لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءات أمنية ظرفية مرتبطة بمرحلة إقليمية عابرة”، بل هو جزء من “تحول أعمق في بنية إدارة الدولة للداخل، قائم على توسيع المقاربة الأمنية على حساب المسارات السياسية والحوارية”.
وأوضح السندي أن المرحلة التي أعقبت الحرب على إيران شهدت، وفق قراءته، “تبدلاً واضحاً في طريقة التعامل مع الداخل البحريني”، حيث جرى ربط عدد من الملفات الداخلية بالتطورات الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى “إعادة تعريف مفهوم التهديد الأمني بشكل موسّع، لم يعد يقتصر على القضايا التقليدية، بل امتد ليشمل مجالات التعبير السياسي والديني والنشاط الاجتماعي”.
وأضاف أن هذا التحول انعكس على الأرض من خلال “تصاعد ملحوظ في وتيرة الاستدعاءات والملاحقات والإجراءات الأمنية التي طالت شخصيات دينية وناشطين اجتماعيين ومواطنين على خلفيات سياسية أو فكرية”، مشيراً إلى أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في حجم هذه الإجراءات، بل في “تحولها إلى نمط إداري متكرر يعيد إنتاج نفسه في أكثر من ملف وسياق”.
وتوقف السندي عند تراجع مساحات الفعل السياسي العلني، موضحاً أن البيئة العامة في البحرين باتت أكثر ميلاً إلى الضبط المسبق للحراك العام، سواء عبر أدوات قانونية أو إدارية أو أمنية، ما يؤدي إلى تقليص هامش المبادرة المدنية وإضعاف قنوات التعبير المؤسسي، في مقابل توسع غير معلن في دوائر الرقابة على الخطاب العام بمختلف أشكاله.
وأشار إلى أن إحدى الإشكاليات البنيوية في المشهد الحالي تكمن في “التداخل بين الأمني والسياسي والاجتماعي”، بحيث يتم التعامل مع قضايا متعددة ذات طابع فكري أو اجتماعي بوصفها ملفات أمنية، وهو ما يخلق، بحسب رأيه، حالة من الضبابية في الحدود الفاصلة بين النشاط المشروع وبين ما يُصنّف كتهديد، ويؤثر على الثقة العامة في بيئة العدالة والإدارة.
ولفت السندي إلى أن هذا المسار لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث إن الحرب على إيران وما تبعها من تصعيد سياسي وعسكري في المنطقة “أنتجت مناخاً عاماً من إعادة التموضع الأمني”، استُخدم في بعض الحالات لتبرير تشديد الإجراءات الداخلية، وتوسيع نطاق الرقابة والملاحقة في عدد من الدول، ومنها البحرين.
وأضاف أن هذا الربط بين الإقليمي والداخلي “لا يساهم في تعزيز الاستقرار، بل يؤدي إلى نقل التوتر من الخارج إلى الداخل”، ويؤسس لحالة من عدم اليقين الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في ظل غياب مسارات واضحة لإدارة التعدد داخل المجتمع، أو آليات فعالة لإشراك مختلف المكونات في صياغة القرار الوطني.
وفي سياق تحليله، رأى السندي أن استمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها في إدارة الملفات الداخلية “يكشف عن أزمة أعمق في بنية الإدارة السياسية”، لأن المعالجة الأمنية قد تنتج هدوءاً سطحياً، لكنها لا تعالج جذور التوترات المرتبطة بالمشاركة السياسية والحقوق والحريات، بل تؤدي مع الوقت إلى تراكمها بشكل أكثر تعقيداً.
كما أشار إلى أن من بين التحولات اللافتة في المرحلة الحالية “اتساع نطاق الإجراءات الوقائية المسبقة”، بحيث لا تنتظر بعض السياسات وقوع الفعل أو الحدث، بل تتجه إلى التعامل مع احتمالاته، وهو ما ينعكس على الفضاء العام ويخلق حالة من الضغط المستمر على الحراك المدني والاجتماعي.
وتوقف السندي عند الأثر الاجتماعي لهذه السياسات، موضحاً أن استمرار حالة التقييد والتوتر “ينعكس على الثقة بين المجتمع والدولة”، ويؤدي إلى تراجع مساحات التفاعل الطبيعي بين مختلف المكونات، الأمر الذي قد يترك آثاراً بعيدة المدى على الاستقرار الاجتماعي، إذا لم يتم التعامل معه ضمن رؤية سياسية شاملة.
وأكد أن البحرين، في ظل هذا السياق، “تقف أمام منعطف دقيق يتطلب مراجعة جدية لآليات إدارة الشأن الداخلي”، بحيث يتم الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء التوازن، عبر إعادة الاعتبار للمسارات السياسية والحوارية، وتخفيف الاعتماد على الحلول الأمنية كأداة مركزية في إدارة الخلافات.
وختم السيد مرتضى السندي بالتشديد على أن الاستقرار الحقيقي “لا يُفرض بالقوة أو بالإجراءات الاستثنائية، بل يُبنى عبر الشراكة الوطنية والاعتراف بالتعددية السياسية والاجتماعية”، معتبراً أن أي تأخير في معالجة هذا الخلل البنيوي “سيؤدي إلى تراكم التوترات بدل احتوائها”، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة ومعقدة.