وفي حديث لموقع "
إسلام تايمز"، أكدت باسيل أن أي تقييم موضوعي للمشهد البحريني الراهن لا يمكن فصله عن المناخ الإقليمي الذي أعقب الحرب الأخيرة على إيران، وما نتج عنها من حالة استنفار سياسي وأمني لدى عدد من الدول الخليجية. إلا أنها شددت في الوقت نفسه على أن مواجهة التحديات الإقليمية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتوسيع دائرة الملاحقات الداخلية أو إعادة تعريف الحقوق الأساسية للمواطنين باعتبارها ملفات أمنية.
وقالت إن المؤشرات المتراكمة خلال الأشهر الماضية توحي بوجود توجه نحو تشديد الرقابة على المجال العام، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو النشاط المجتمعي أو الفضاء الإعلامي والديني، وهو أمر يثير قلقاً متزايداً لدى المؤسسات الحقوقية والإعلامية المعنية برصد أوضاع الحريات في المنطقة.
وأضافت أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه البحرين اليوم لا يتمثل فقط في كيفية التعامل مع تداعيات الأزمات الإقليمية، بل في كيفية الحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الحقوق والحريات، لأن اختلال هذا التوازن يقود تدريجياً إلى إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لحالة من التوتر المستمر يصعب احتواؤها على المدى البعيد.
وأوضحت باسيل أن إحدى النتائج الأكثر خطورة لأي توسع في المقاربة الأمنية تتمثل في خلق مناخ عام من الخوف والرقابة الذاتية، حيث يبدأ الأفراد والمؤسسات بممارسة قيود على أنفسهم قبل أن تُفرض عليهم بصورة مباشرة.
وأشارت إلى أن المجتمعات لا تُقاس فقط بوجود القوانين أو المؤسسات، بل بمدى قدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم والمشاركة في الشأن العام دون خوف من الملاحقة أو العقاب. وعندما يشعر المواطن بأن رأيه السياسي أو موقفه الفكري أو حتى نشاطه الاجتماعي قد يتحول إلى سبب للاستدعاء أو التحقيق أو التضييق، فإن ذلك يؤدي إلى انكماش المجال العام وفقدان المجتمع لأحد أهم عناصر حيويته.
وبرأيها، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو انتقال الخوف من كونه حالة فردية إلى ظاهرة جماعية، لأن ذلك ينعكس على الحياة السياسية والثقافية والإعلامية بأكملها، ويؤدي إلى تراجع المبادرات المدنية وإضعاف المؤسسات الوسيطة التي تلعب دوراً أساسياً في تحقيق الاستقرار والتوازن داخل المجتمعات.
واعتبرت باسيل أن المرحلة الراهنة تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل حرية التعبير في البحرين، مشيرة إلى أن الإعلام لا يؤدي دوره الحقيقي عندما يتحول إلى أداة أحادية الاتجاه أو عندما يُطلب منه تبني رواية واحدة وإقصاء الروايات الأخرى.
وقالت إن الإعلام الحر والمسؤول يشكل صمام أمان للمجتمعات، لأنه يتيح تداول المعلومات بصورة شفافة ويساعد على كشف الاختلالات وتصحيحها، بينما يؤدي تقييد الإعلام أو إخضاعه للضغوط السياسية والأمنية إلى نتائج معاكسة تماماً.
وأضافت أن التجارب الدولية أثبتت أن تراجع الحريات الإعلامية ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الثقة العامة، لأن غياب المعلومات الموثوقة يفتح المجال أمام الشائعات والاستقطاب والتأويلات المتناقضة، وهو ما يضر بالسلم الأهلي أكثر مما يحميه.
وأشارت إلى أن البيئة الإعلامية السليمة لا تُبنى على التخويف أو الرقابة المسبقة، بل على ضمان حق الوصول إلى المعلومات واحترام التعددية الإعلامية والفكرية، بما يسمح بوجود نقاشات عامة صحية حول القضايا الوطنية والإقليمية.
كما توقفت باسيل عند ما الحساسية الخاصة للملف الديني في البحرين، معتبرة أن أي إجراءات تمس الأنشطة الدينية أو الشخصيات الدينية أو المناسبات والشعائر المرتبطة بمكونات اجتماعية محددة تترك آثاراً تتجاوز بعدها القانوني أو الإداري.
وأوضحت أن الحرية الدينية ليست امتيازاً تمنحه السلطات، بل حق أصيل تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وأن احترام هذا الحق يشكل مؤشراً أساسياً على مدى التزام الدول بمبادئ التعددية والمواطنة المتساوية.
وأضافت أن المجتمعات المتنوعة تحتاج إلى سياسات احتواء واعتراف متبادل، لا إلى سياسات تثير الشعور بالاستهداف أو التهميش، لأن الاستقرار المستدام لا يمكن تحقيقه من خلال الضغط على الهويات الثقافية والدينية، بل عبر دمجها ضمن مشروع وطني جامع يحترم خصوصياتها ويصون حقوقها.
ورأت باسيل أن أحد أبرز المخاطر التي تواجه المنطقة اليوم يتمثل في انعكاس الصراعات الإقليمية على الأوضاع الداخلية للدول، بحيث تصبح الحقوق والحريات أولى ضحايا التوترات السياسية والعسكرية.
وقالت إن التجارب الحديثة في الشرق الأوسط أظهرت أن ربط الحقوق المدنية والسياسية بالتجاذبات الجيوسياسية يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة والمجتمع معاً، لأن المواطنين يصبحون عرضة للتصنيف على أساس مواقفهم أو انتماءاتهم الفكرية أو قراءاتهم للأحداث الإقليمية.
وأضافت أن الحفاظ على وحدة المجتمعات يتطلب الفصل بين الخلافات السياسية الخارجية وبين الحقوق الأساسية للمواطنين في الداخل، لأن المواطنة يجب أن تبقى المعيار الأعلى الذي يضمن المساواة أمام القانون ويحمي الجميع دون استثناء.
وأكدت باسيل أن ما يبرز اليوم في البحرين لا يتعلق فقط بملفات حقوقية منفصلة، بل يعكس أزمة ثقة أوسع تحتاج إلى معالجة سياسية ومجتمعية شاملة.
وأوضحت أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد غياب الاحتجاجات أو انخفاض مستوى التوتر الظاهر، بل يقاس بمدى شعور المواطنين بأن حقوقهم مصانة وأن مؤسسات الدولة تتعامل معهم على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وأضافت أن المجتمعات التي تتمتع بقنوات حوار مفتوحة وآليات فعالة للمشاركة السياسية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الإقليمية والتحديات الأمنية، لأن مواطنيها يشعرون بأنهم شركاء في صناعة القرار لا مجرد متلقين له.
وشددت رئيسة منظمة "إعلام للسلام" على أن البحرين تقف أمام لحظة مفصلية تتطلب مراجعة جادة للمقاربات المعتمدة في إدارة الشأن العام، معتبرة أن حماية الحريات العامة وحرية التعبير وحرية المعتقد ليست ترفاً سياسياً أو مطلباً نخبوياً، بل شرط أساسي للاستقرار والتنمية وبناء الثقة الوطنية.
ودعت إلى تعزيز الحوار المجتمعي وإفساح المجال أمام مختلف الآراء والتيارات للمشاركة في النقاش العام، وإلى التزام المعايير الدولية لحقوق الإنسان في التعامل مع الملفات السياسية والإعلامية والدينية، مؤكدة أن المجتمعات التي تحترم التعددية وتحمي الحقوق الأساسية لمواطنيها تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر مناعة أمام الاضطرابات والتحديات الإقليمية.
وختمت بالقول إن المنطقة بأسرها تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة، وإن الدول التي ستنجح في عبور هذه المرحلة ليست تلك التي توسع أدوات الرقابة والقمع، بل تلك التي تستثمر في الإنسان، وتحمي الحريات، وتعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتبني استقرارها على العدالة والمشاركة لا على الخوف والإقصاء.