وفي حديث لموقع "
إسلام تايمز"، أوضح شبر أن التهم التي وُجهت إلى عدد من العلماء والشخصيات الدينية والناشطين تفتقر إلى الأسس القانونية السليمة، مشيراً إلى أن العديد من المعتقلين لم يتلقوا أي استدعاءات رسمية أو مذكرات قانونية تسبق توقيفهم، كما لم يتم إبلاغهم بوجود دعاوى أو تحقيقات قائمة بحقهم قبل تنفيذ الاعتقالات.
وقال إن الإجراءات التي اتُخذت لا تنسجم مع أبسط الضمانات القانونية المتعارف عليها، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول الخلفيات الحقيقية لهذه الحملة والأهداف الكامنة وراءها، مضيفاً أن ما حدث لا يبدو وكأنه معالجة لملفات قانونية أو أمنية محددة، بل أقرب إلى عملية استهداف ممنهجة لمكون أساسي من مكونات المجتمع البحريني.
وأشار شبر إلى أن البحرينيين باتوا يلاحظون نمطاً متكرراً في طريقة تعاطي السلطة مع الأزمات الإقليمية، لافتاً إلى أن أي توتر سياسي أو أمني بين المنامة وطهران غالباً ما ينعكس بصورة مباشرة على الواقع الداخلي، عبر موجات من الضغوط الأمنية أو الحملات الإعلامية أو الملاحقات التي تطال شخصيات دينية وسياسية تنتمي إلى الطائفة الشيعية.
وأضاف أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل رافقت محطات عديدة من تاريخ العلاقة بين البحرين والجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث جرى في أكثر من مناسبة ربط المواطنين الشيعة في البحرين بالخلافات السياسية والإقليمية، وتحميلهم تبعات صراعات لا علاقة لهم بها، رغم أنهم جزء أصيل من النسيج الوطني البحريني.
وتوقف شبر عند الاتهامات المرتبطة بالترويج لفكر "ولاية الفقيه"، معتبراً أن هذه المقاربة تعكس خلطاً متعمداً بين المسائل الفقهية والدينية وبين الملفات الأمنية والسياسية.
وأوضح أن ولاية الفقيه تمثل موضوعاً فقهياً وعلمياً يُناقش منذ عقود داخل الحوزات العلمية ومراكز الدراسات الإسلامية، سواء في النجف الأشرف أو قم أو غيرهما من المؤسسات الدينية المعروفة، وأن التعامل معها بوصفها تهمة أمنية يشكل خروجاً عن السياق العلمي والديني الطبيعي.
وأضاف أن بعض الشخصيات التي تعرضت للاعتقال أو الملاحقة هم من العلماء الذين بلغوا مراتب علمية متقدمة في الدراسات الإسلامية، وبعضهم يحمل رتبة الاجتهاد ويتمتع بمكانة دينية معروفة داخل المجتمع، ما يجعل توجيه مثل هذه الاتهامات إليهم أمراً يفتقر إلى المنطق العلمي والديني.
وأكد أن الاختلافات الفقهية والعقائدية موجودة داخل مختلف المدارس الإسلامية، وأن تحويل النقاشات الفكرية والدينية إلى ملفات أمنية يفتح الباب أمام استهداف الحريات الدينية والفكرية ويؤسس لمزيد من الاحتقان داخل المجتمع.
ورأى شبر أن ما يجري لا يقتصر على استهداف أفراد بعينهم، بل يتعداه إلى محاولة الضغط على البيئة الاجتماعية والثقافية والدينية التي ينتمون إليها.
وقال إن الرسائل التي تُبعث من خلال هذه الاعتقالات لا تستهدف الأشخاص فقط، بل تستهدف حالة كاملة من الوعي الديني والثقافي والاجتماعي داخل المجتمع البحريني، وتسعى إلى فرض حالة من الخوف والرقابة الذاتية بين المواطنين.
وأشار إلى أن العديد من العائلات البحرينية باتت تعيش حالة من القلق المتزايد نتيجة اتساع دائرة الملاحقات، لاسيما في ظل غياب الشفافية بشأن أوضاع المعتقلين أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم، وهو ما ينعكس سلباً على الشعور بالأمان والاستقرار داخل المجتمع.
وفي قراءته للأبعاد الإقليمية، اعتبر شبر أن التطورات الأخيرة لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي والأمني الذي أعقب الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأوضح أن عدداً من الدول الخليجية شهد خلال الأشهر الماضية إجراءات مشابهة بدرجات متفاوتة، شملت استدعاءات واعتقالات وملاحقات طالت علماء دين وناشطين وشخصيات اجتماعية، ما يشير إلى وجود توجه إقليمي أوسع للتعامل مع تداعيات الحرب من خلال تشديد القبضة الأمنية على البيئات الشيعية في المنطقة.
وأضاف أن ما يلفت الانتباه هو تشابه طبيعة الاتهامات والخطاب المستخدم في عدد من هذه الدول، حيث يجري التركيز على ملفات الولاء السياسي أو الانتماء الفكري أو العلاقة بالجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن هناك محاولة لربط مكونات اجتماعية كاملة بالتجاذبات الإقليمية الجارية.
وأكد أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الداخلي في دول المنطقة، لأنه يضع فئات واسعة من المواطنين في دائرة الشبهة على أساس الانتماء المذهبي أو الموقف السياسي، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم مواطنين يتمتعون بحقوق متساوية.
وأشار شبر إلى أن انعكاسات هذه السياسات تبدو أكثر وضوحاً في البحرين مقارنة بدول أخرى، نظراً للتركيبة السكانية الخاصة للمملكة.
وأوضح أن المكون الشيعي يشكل شريحة واسعة وأساسية من المجتمع البحريني، الأمر الذي يجعل أي إجراءات تستهدف هذه الفئة أكثر تأثيراً على المشهد الوطني العام، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
وأضاف أن أي مقاربة تقوم على التمييز أو الإقصاء أو التعامل الأمني مع مكون أساسي من المجتمع لن تؤدي إلى تعزيز الاستقرار، بل ستفاقم مشاعر التهميش وتزيد من حجم الفجوة بين الدولة والمجتمع.
وشدد على أن البحرين تحتاج اليوم إلى سياسات تعزز الوحدة الوطنية وتكرس مبدأ المواطنة المتساوية، بدلاً من تكريس الانقسامات أو إعادة إنتاج الاصطفافات الطائفية التي أثبتت التجارب السابقة أنها لا تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر.
وحذر شبر من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى مرحلة أكثر تعقيداً على المستوى الداخلي، خصوصاً إذا ترافق مع المزيد من التضييق على الحريات الدينية والسياسية والاجتماعية.
وأشار إلى أن المؤشرات الحالية تدفع كثيرين إلى القلق من إمكانية توسع دائرة الإجراءات لتشمل شرائح وفئات إضافية من المجتمع، في ظل غياب أي مؤشرات جدية على وجود توجه نحو المعالجة السياسية أو الحوار الوطني.
وأكد أن معالجة التحديات التي تواجه البحرين لا يمكن أن تتم عبر الأدوات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى مقاربة وطنية شاملة تعيد الاعتبار للحقوق والحريات وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية والمجتمعية.
وختم السيد عباس شبر حديثه بالتأكيد أن استقرار البحرين الحقيقي لا يتحقق من خلال الاعتقالات أو الملاحقات أو التضييق على الحريات، وإنما عبر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واحترام التعددية الدينية والسياسية، وضمان حقوق جميع المواطنين دون تمييز، لأن أي استهداف لمكون أساسي من مكونات البلاد لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وإطالة أمدها بدل حلها.