وفي هذا المناخ المشحون، تشهد البحرين تصاعداً في وتيرة الإجراءات الأمنية والملاحقات والاعتقالات التي طالت شخصيات دينية وناشطين ومواطنين، ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة إدارة الدولة للملف الحقوقي ومستقبل الفضاء المدني.
في هذا السياق، قال حسين عبد الله، المدير التنفيذي لمنظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” (ADHRB)، في حديث موسّع لموقع “
إسلام تايمز”، إن ما يجري في البحرين لا يمكن التعامل معه إلا كامتداد لمسار طويل من السياسات التي تميل إلى تغليب المقاربة الأمنية على حساب المعالجات السياسية والحقوقية، وهو ما أدى إلى تراكم أزمات بنيوية باتت تنعكس بشكل مباشر على المجتمع.
وأوضح عبد الله أن وتيرة الاعتقالات الأخيرة، واتساع نطاق الاستدعاءات القضائية، وتزايد الإجراءات الإدارية المرتبطة بالحريات العامة، تشير إلى أن هناك اتجاهاً واضحاً نحو مزيد من التضييق على المجال العام، ليس فقط على مستوى النخب السياسية أو الحقوقية، بل أيضاً على مستوى شرائح اجتماعية أوسع، الأمر الذي يخلق حالة من القلق العام ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي الداخلي.
وأضاف أن هذا النمط من السياسات لا يمكن فصله عن البنية العامة لإدارة الملف السياسي في البلاد، حيث تميل الدولة، بحسب تعبيره، إلى التعامل مع التحديات السياسية والاجتماعية من منظور أمني، بدلاً من فتح مسارات إصلاح حقيقية تعالج جذور الإشكالات القائمة.
وأشار عبد الله إلى أن الوضع الراهن هو نتيجة تراكمات ممتدة لسنوات طويلة من الإشكاليات الحقوقية التي وثقتها تقارير منظمات دولية ومحلية، والتي شملت قضايا تتعلق بالاعتقال التعسفي، والمحاكمات التي تفتقر إلى ضمانات العدالة، وتقييد حرية التعبير والتجمع السلمي، إضافة إلى حالات إسقاط الجنسية في بعض السياقات.
وبيّن أن استمرار هذه الممارسات أدى تدريجياً إلى تشكّل أزمة ثقة عميقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والمؤسسات الرسمية، وهي أزمة تتسع كلما توسعت الإجراءات الأمنية بدل أن تتراجع، ما يجعل البيئة الداخلية أكثر هشاشة أمام أي توتر سياسي أو إقليمي.
وأكد أن غياب الإصلاحات السياسية الجدية، وعدم وجود مسار واضح لتعزيز المشاركة السياسية، جعل من الملف الحقوقي أحد أبرز نقاط التوتر المستمرة في البلاد، مشيراً إلى أن معالجة هذه التحديات تتطلب تغييراً في المقاربة وليس فقط في الأدوات.
وفي قراءة للبعد الإقليمي، أوضح عبد الله أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً ما أعقب الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انعكست بشكل مباشر على سياسات عدد من الدول الخليجية، بما فيها البحرين، حيث ارتفع منسوب الخطاب الأمني وتزايد الربط بين الملفات الداخلية والتطورات الإقليمية.
ولفت إلى أن هذا الربط بين الداخل والخارج، رغم أنه يُستخدم في بعض الأحيان لتبرير إجراءات أمنية مشددة، إلا أنه لا يعالج جذور الأزمة الداخلية، بل قد يؤدي إلى تعميقها إذا استمر دون وجود رؤية سياسية متكاملة، لأن الأزمات السياسية والاجتماعية لا تُحل عبر نقل التوتر الخارجي إلى الداخل.
وأضاف أن أي مقاربة تعتمد على تصعيد الإجراءات الأمنية في فترات التوتر الإقليمي قد تنتج استقراراً مؤقتاً، لكنها لا تؤسس لاستقرار مستدام، بل تترك خلفها تراكمات قابلة للانفجار عند أي تغيير في الظروف.
وأشار عبد الله إلى أن أحد أبرز التحولات في المرحلة الحالية يتمثل في التراجع الملحوظ في مساحة الفضاء المدني، سواء على مستوى النشاط السياسي أو الحقوقي أو حتى بعض أشكال التعبير الاجتماعي والديني، موضحاً أن هذا التراجع لا يقتصر على الفاعلين السياسيين، بل يمتد إلى البيئة العامة التي تسمح بوجود نقاشات عامة حول القضايا الوطنية.
وبيّن أن هذا التضييق يؤدي إلى حالة من “الرقابة الذاتية” داخل المجتمع، حيث يصبح التعبير عن الرأي أو الانخراط في العمل العام محفوفاً بالمخاطر، وهو ما ينعكس سلباً على الحيوية السياسية والاجتماعية ويحدّ من فرص بناء قنوات تواصل صحية بين الدولة والمجتمع.
وأضاف أن استمرار هذا المسار يضعف من قدرة المجتمع على إنتاج حلول داخلية سلمية، ويزيد من احتمالات تراكم الاحتقان الاجتماعي على المدى الطويل.
وفي تقييمه للمعادلة القائمة بين الأمن والحقوق، أكد عبد الله أن الإشكالية الأساسية في الحالة البحرينية تكمن في غياب التوازن بين متطلبات الاستقرار الأمني ومتطلبات الحقوق والحريات، حيث تميل الكفة بشكل واضح نحو المقاربة الأمنية على حساب الإصلاحات السياسية والمؤسساتية.
وأوضح أن التجارب المقارنة تشير إلى أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن تحقيقه عبر الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل العدالة، وسيادة القانون، وضمان الحقوق الأساسية، والمشاركة السياسية الفاعلة، باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
وأضاف أن تجاهل هذه المعادلة يؤدي إلى إنتاج استقرار ظاهري قصير المدى، لكنه يحمل في داخله عوامل توتر كامنة قد تظهر في أي لحظة مع تغير الظروف السياسية أو الإقليمية.
وختم حسين عبد الله حديثه لموقع “
إسلام تايمز” بالتأكيد على أن معالجة الوضع في البحرين تتطلب مراجعة شاملة للمقاربات المتبعة، تقوم على إعادة الاعتبار للإصلاح السياسي، وتوسيع هامش الحريات العامة، وضمان استقلالية القضاء، وفتح المجال أمام العمل السياسي السلمي بمختلف أشكاله.
وحذر من أن استمرار النهج الحالي في إدارة الملفات الداخلية سيؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد السياسي والاجتماعي، مشدداً على أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر الأدوات الأمنية وحدها، بل عبر بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الثقة والمواطنة المتساوية واحترام الحقوق، بما يضمن قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية دون اللجوء إلى مزيد من التصعيد أو الإقصاء.