وفي حديث لموقع
إسلام تايمز، أوضح الفايز أن الحرب على الشيعة في البحرين لا يمكن فصله عن سياق تاريخي ممتد، مشيرًا إلى أن جذور هذا المسار تعود إلى مراحل سابقة، وبرزت بشكل أكثر وضوحًا مع ما تسرب إلى العلن في منتصف العقد الأول من الألفية، خصوصًا ما عُرف بـ“تقرير البندر” الذي أثار جدلًا واسعًا حول طبيعة إدارة الدولة للتوازنات الداخلية، وآليات التعامل مع القوى السياسية والاجتماعية في البلاد.
ويرى الفايز أن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحول في طريقة إدارة الشأن الداخلي، حيث بدأت عملية إعادة هندسة تدريجية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر أدوات سياسية وأمنية وإدارية، هدفت إلى ضبط المجال العام وإعادة صياغة قواعد المشاركة السياسية بما يتماشى مع رؤية السلطة، وليس وفق مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة.
وأضاف أن هذه السياسات لم تتوقف عند حدود التنظيم السياسي، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية والدينية والثقافية، ما أدى إلى تضييق مساحة التعدد داخل المجتمع البحراني، وتراجع قدرة المكونات السياسية والدينية المختلفة على التعبير الحر والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وأشار الفايز إلى أن التطورات التي أعقبت عام 2011 مثّلت مرحلة أكثر حدة في هذا المسار، حيث شهدت البلاد توسعًا في الإجراءات الأمنية والقضائية، وتزايدًا في استخدام أدوات مثل إسقاط الجنسية، والملاحقات السياسية، والاعتقالات التي طالت شخصيات دينية واجتماعية، إلى جانب قيود متزايدة على الفضاء العام.
واعتبر أن هذه الأدوات لم تعد تُستخدم كإجراءات استثنائية، بل تحولت إلى جزء من منظومة إدارة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل المجال العام، وإنتاج حالة من الردع السياسي والاجتماعي، تؤدي إلى تقليص المشاركة العامة وإضعاف الأصوات المعارضة أو الناقدة.
وفي سياق تحليله، يرى الفايز أن ما يجري في البحرين لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تشهد المنطقة تحولات سياسية كبرى، تشمل إعادة تموضع التحالفات الإقليمية والدولية، وتبدّل أولويات القوى الكبرى في المنطقة، وهو ما انعكس على السياسات الداخلية في عدد من الدول، ومنها البحرين.
وقال إن هذه التحولات أسهمت في خلق بيئة سياسية أكثر تشددًا تجاه المعارضة، وأكثر حساسية تجاه الملفات المرتبطة بالهوية والانتماء السياسي والديني، ما أدى إلى تشديد الإجراءات الداخلية، وارتفاع مستوى الرقابة والملاحقة في بعض الملفات.
ويضيف الفايز أن ما يجري اليوم يتجاوز البعد الأمني التقليدي، ليصل إلى محاولة التأثير في “بنية الإنسان السياسية والفكرية”، عبر إعادة صياغة وعيه العام، وتقليص اهتمامه بالقضايا السياسية الكبرى، ودفعه نحو الانشغال بالهموم المعيشية اليومية، بما يضعف قدرته على الفعل السياسي والمجتمعي.
كما يشير إلى أن هذه السياسات تترافق مع خطاب سياسي وإعلامي يهدف إلى إعادة تعريف مفاهيم الانتماء الوطني والولاء السياسي، بحيث يتم ربطهما بالامتثال الكامل للسلطة السياسية، وليس بالمشاركة أو التعدد أو الاختلاف السياسي.
ويرى الفايز أن البعد الإقليمي يلعب دورًا أساسيًا في فهم ما يحدث، إذ يعتبر أن البحرين ليست حالة منفصلة، بل جزء من منظومة إقليمية تتأثر بالصراعات والتحالفات الكبرى في المنطقة، بما في ذلك التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، والتحولات في طبيعة العلاقات بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
ويضيف أن هذه التحولات ساهمت في إعادة ترتيب الأولويات السياسية، بحيث أصبحت بعض الأنظمة أكثر ميلاً إلى تعزيز أدوات السيطرة الداخلية، في مقابل تقليص مساحات الانفتاح السياسي، وذلك في إطار ما يعتبره “إعادة ضبط الداخل” بما يتماشى مع المتغيرات الخارجية.
وفي هذا السياق، يؤكد الفايز أن ما يجري لا يستهدف فقط الفعل السياسي المباشر، بل يمتد إلى ما يسميه “بناء الإنسان الجديد”، أي إعادة تشكيل وعي الأفراد وهوياتهم الثقافية والدينية والسياسية، بما يؤدي إلى إنتاج مجتمع أقل قابلية للاعتراض أو المقاومة، وأكثر اندماجًا في منظومة الاستقرار المفروض.
ويعتبر أن هذا المشروع، يتقاطع مع تحولات أوسع في المنطقة، تشمل ملفات الصراع الإقليمي، وإعادة رسم خرائط النفوذ، والتغيرات في موازين القوى، ما يجعل البحرين جزءًا من مشهد سياسي أكبر من حدودها الجغرافية.
ويخلص الفايز إلى أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلى معالجة التحديات الداخلية، بل قد يفاقم حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي، داعيًا إلى إعادة النظر في السياسات القائمة، وفتح المجال أمام حلول سياسية شاملة تعيد التوازن إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المشاركة بدل الإقصاء، وعلى الشراكة بدل الهيمنة، بما يضمن استقرارًا أكثر عمقًا واستدامة في البلاد.