وفي حديث لموقع “
إسلام تايمز”، أوضح مشيمع أن المرحلة الحالية تمثل امتدادًا لتراكمات سياسية سابقة، لكنها اتخذت في السنوات الأخيرة طابعًا أكثر وضوحًا من حيث توسيع أدوات الضبط الأمني، وتقليص مساحات العمل السياسي والمدني، وإعادة تشكيل المجال العام بطريقة تُضعف القدرة على التعبير والمشاركة، وتحد من حضور الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في الشأن العام.
وأضاف أن أبرز ما يميز المشهد البحراني اليوم هو تحوّل أدوات الأمن والقضاء والإجراءات الإدارية إلى وسائل رئيسية في إدارة الخلاف السياسي، بدل أن تكون السياسة هي الإطار الجامع لإدارة الاختلاف، مشيرًا إلى أن هذا التحول أدى إلى إضعاف التعدد السياسي، وتقليص إمكانيات التفاعل الطبيعي داخل المجتمع، وخلق حالة من الانكماش في المجال العام.
وأشار مشيمع إلى أن السنوات الأخيرة شهدت اتساعًا في استخدام أدوات مثل الاعتقالات، والاستدعاءات المتكررة، وإسقاط الجنسية في بعض الحالات، إضافة إلى التضييق على النشاطات العامة والدينية والاجتماعية، معتبرًا أن هذه الإجراءات لم تعد تُمارس كاستثناءات أو حالات فردية، بل باتت نمطًا عامًا في إدارة الدولة للملف الداخلي.
وأوضح أن هذا النمط من الإدارة أدى إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تراجع المجال السياسي المفتوح تدريجيًا لصالح منظومة ضبط أمنية وإدارية واسعة، ما انعكس على مستوى الثقة العامة، وأضعف فرص الحوار السياسي، وأدى إلى تراجع قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه عبر قنوات منظمة.
وقال إن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في تحويل الاختلاف السياسي إلى ملف أمني، حيث يتم التعامل مع المواقف السياسية أو الفكرية المعارضة ضمن إطار أمني وقضائي ضيق، بدل أن تُعالج عبر أدوات سياسية وحوار وطني شامل، وهو ما يؤدي إلى تراكم الأزمات بدل حلها.
وأضاف مشيمع أن ما يجري لا يقتصر على العمل السياسي المباشر، بل يمتد إلى مستويات أوسع تشمل المجال الديني والاجتماعي والثقافي، حيث تتسع دائرة القيود لتشمل النشاطات الدينية، والخطاب العام، والمبادرات الاجتماعية، ما يخلق حالة من “إعادة هندسة المجال العام” وفق تعبيره، تقوم على تقليص الفاعلية المجتمعية وتوجيهها ضمن حدود صارمة.
وأشار إلى أن هذا النهج أدى إلى خلق حالة من القلق الاجتماعي لدى شرائح واسعة، في ظل غياب بيئة سياسية آمنة تسمح بالتعبير والمشاركة، الأمر الذي ينعكس على الاستقرار العام، ويزيد من مستويات الاحتقان المكتوم داخل المجتمع.
كما لفت إلى أن استمرار هذه السياسات يضعف بشكل متزايد دور المجتمع المدني، ويقلص قدرة المؤسسات الوسيطة على لعب دورها الطبيعي في التهدئة والتواصل بين الدولة والمجتمع، ما يترك فراغًا سياسيًا يتسع مع مرور الوقت.
وفي سياق تحليله، أكد مشيمع أن البحرين تعيش اليوم حالة انسداد سياسي متدرج، حيث يتم تقليص مساحات الحلول السياسية لصالح المعالجة الأمنية والإدارية، وهو ما يؤدي إلى ترحيل الأزمة بدل حلها، وإعادة إنتاجها بأشكال مختلفة. وأضاف أن غياب مسار سياسي واضح وشامل، يفتح المجال أمام جميع الأطراف للمشاركة، ويعترف بالتعدد داخل المجتمع، يجعل أي استقرار قائم هشًا وغير قابل للاستدامة، لأن جذور الأزمة تبقى قائمة دون معالجة.
وشدد على أن أي نظام سياسي لا يمكنه الاعتماد على أدوات الأمن وحدها لإدارة مجتمع متنوع، لأن ذلك يؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف التماسك الداخلي، وتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع، وارتفاع مستويات التوتر السياسي والاجتماعي بشكل متكرر.
وفي حديثه عن السياق الإقليمي، أوضح مشيمع أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية بشكل كبير، إلا أنه شدد على أن هذا السياق لا ينبغي أن يُستخدم كذريعة لتقييد الحريات أو إغلاق المجال العام، بل يجب أن يكون دافعًا لتعزيز الاستقرار من خلال توسيع المشاركة السياسية.
وقال إن ربط الملفات الداخلية بالتوترات الإقليمية لا يعالج جذور الأزمة، بل قد يؤدي إلى تبرير مزيد من الإجراءات القمعية، في حين أن الحل الحقيقي يكمن في بناء منظومة سياسية أكثر انفتاحًا، قادرة على استيعاب التعدد داخل المجتمع.
وختم مشيمع حديثه لموقع “
إسلام تايمز” بالتأكيد على أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى مزيد من التعقيد السياسي والاجتماعي، لأن غياب الإصلاح السياسي الحقيقي يجعل الأزمة في حالة إعادة إنتاج مستمرة.
وأشار إلى أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الإقصاء أو القمع أو تقليص المجال العام، بل عبر بناء عقد سياسي جديد يقوم على الشراكة الوطنية، وتوسيع الحريات، وإعادة الاعتبار للمشاركة السياسية باعتبارها الضمانة الأساسية للاستقرار طويل الأمد.
وأكد في ختام حديثه أن البحرين بحاجة إلى مراجعة شاملة في طريقة إدارة المجال السياسي، بحيث يتم الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق حلها، ومن المقاربة الأمنية إلى المقاربة السياسية، بما يضمن مستقبلًا أكثر توازنًا واستقرارًا للبلاد ومكوناتها المختلفة.