وقال الدمستاني، في حديث لموقع "
إسلام تايمز"، إن ما تشهده البحرين اليوم لا يمكن التعامل معه إلا كجزء من مشروع متكامل يستهدف إعادة تشكيل المجال العام وإخضاع المجتمع بصورة أكبر لهيمنة السلطة الأمنية، مستفيدًا من التحولات الإقليمية والحرب التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وأضاف أن التطورات الأخيرة كشفت بوضوح حجم التراجع الذي أصاب واقع الحريات في البحرين، حيث توسعت الاعتقالات والاستدعاءات والملاحقات الأمنية لتشمل علماء دين وخطباء ورواديد وناشطين سياسيين وإعلاميين وحقوقيين، إضافة إلى مواطنين عاديين عبّروا عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أبدوا تضامنًا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العدوان الذي تعرضت له.
وأشار الدمستاني إلى أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال من استهداف النشاط السياسي المعارض إلى محاولة تجريم القناعات الفكرية والدينية نفسها، موضحًا أن العديد من المواطنين باتوا يواجهون الملاحقة بسبب مواقفهم السياسية أو خلفياتهم العقائدية أو آرائهم المتعلقة بالأحداث الإقليمية.
وأوضح أن السلطات تسعى، وفق تقديره، إلى خلق بيئة عامة يشعر فيها المواطن بأن مجرد التعبير عن رأي مخالف أو إظهار موقف سياسي أو ديني قد يضعه تحت طائلة المساءلة الأمنية، وهو ما يشكل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والاعتقاد.
وأضاف أن هذا الواقع خلق حالة واسعة من الخوف داخل المجتمع، حيث أصبحت عائلات كثيرة تتجنب الحديث علنًا عن أوضاع أبنائها المعتقلين أو انتقاد الإجراءات الحكومية خشية التعرض للملاحقة أو التضييق.
ورأى الدمستاني أن ما يثير القلق بصورة خاصة هو انتقال الاستهداف إلى العلماء والمؤسسات الدينية، مشيرًا إلى أن البحرين لم تشهد منذ سنوات طويلة موجة بهذا الحجم من الملاحقات التي تطال شخصيات دينية معروفة بمكانتها الاجتماعية والعلمية.
وقال إن اعتقال علماء دين وخطباء وشخصيات دينية بارزة يبعث برسائل خطيرة إلى المجتمع، لأن المؤسسة الدينية في البحرين لا تمثل مجرد مرجعية روحية، بل تشكل أيضًا جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع البحريني.
وأضاف أن الضغوط التي تمارس على هذه المؤسسة تتزامن مع محاولات متزايدة للسيطرة على الفضاء الديني وإخضاعه لإشراف مباشر، بما يحدّ من استقلاليته التاريخية ويقيد دوره الطبيعي في الحياة العامة.
وفي ما يتعلق بالشعائر الحسينية، أكد الدمستاني أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدًا في القيود المفروضة على بعض الأنشطة الدينية المرتبطة بمواسم عاشوراء والمناسبات الإسلامية المختلفة، معتبرًا أن هذا الملف أصبح أحد أبرز عناوين التوتر بين السلطة والمجتمع.
وأشار إلى أن الشعائر الحسينية تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الدينية والثقافية لشريحة واسعة من البحرينيين، وأن أي قيود أو تدخلات تطالها تترك آثارًا عميقة داخل المجتمع، لأنها تمس جانبًا وجدانيًا وروحيًا يرتبط بتاريخ طويل من الممارسة الدينية.
وأضاف أن كثيرًا من الناشطين والحقوقيين ينظرون إلى هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى تضييق المجال العام وتقليص المساحات المستقلة التي ما زالت موجودة داخل المجتمع.
كما تطرق الدمستاني إلى ملف إسقاط الجنسية، معتبرًا أنه من أخطر الأدوات التي استخدمت خلال السنوات الماضية، لأنها لا تستهدف الفرد وحده بل تمتد آثارها إلى العائلة بأكملها.
وأوضح أن الجنسية ليست امتيازًا تمنحه الدولة وتسحبه متى تشاء، بل هي حق أساسي يرتبط بالهوية والانتماء والوجود القانوني للإنسان، ولذلك فإن استخدامها كأداة عقابية يثير إشكاليات حقوقية خطيرة.
وأضاف أن اللجوء إلى هذه السياسات يكرس حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي ويزيد من مشاعر القلق والخوف لدى المواطنين، بدل أن يساهم في تعزيز الثقة والاستقرار.
وانتقد الدمستاني ما وصفه بازدواجية المعايير في إدارة المجال العام، موضحًا أن بعض الأنشطة الترفيهية والثقافية تحظى بمساحات واسعة من الحرية والدعم، في حين تواجه بعض الأنشطة الدينية والاجتماعية قيودًا متزايدة وإجراءات مشددة.
وقال إن هذه الازدواجية تعزز الشعور بعدم المساواة بين المواطنين وتزيد من حالة الاحتقان الداخلي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بممارسات دينية متجذرة في المجتمع منذ عقود طويلة.
وربط الدمستاني بين ما يحدث في البحرين وبين التطورات الإقليمية الأخيرة، معتبرًا أن بعض الأنظمة الخليجية تعاملت مع الحرب على إيران باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية وتشديد قبضتها الأمنية.
وأوضح أن صمود إيران خلال المواجهة الأخيرة، وما تبعه من تغيرات في موازين القوى الإقليمية، أدى إلى بروز حالة من القلق لدى بعض الأطراف التي كانت تراهن على نتائج مختلفة، وهو ما انعكس على السياسات الداخلية تجاه المعارضين والناشطين.
وأضاف أن ربط المواطنين أو مواقفهم السياسية بالتطورات الإقليمية واستخدام ذلك ذريعة للملاحقات الأمنية يشكل مسارًا خطيرًا يهدد الحقوق الأساسية ويقوض فرص الاستقرار المستدام.
كما دعا المنظمات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة والمؤسسات المعنية بحرية الدين والمعتقد إلى متابعة التطورات الجارية في البحرين بصورة أكثر جدية، والتحرك للضغط من أجل احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ولفت إلى أن معالجة الأزمات الداخلية لا تكون عبر توسيع دائرة القمع أو التضييق على الحريات، بل من خلال الحوار والإصلاح السياسي واحترام التعددية الدينية والفكرية، مشددًا على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل الخوف والإقصاء، وإنما عبر بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز.
وختم الدمستاني حديثه بالتأكيد أن البحرين بحاجة إلى مراجعة شاملة لسياساتها الحقوقية، تقوم على احترام الحريات العامة وإطلاق سراح معتقلي الرأي ووقف الملاحقات ذات الخلفيات السياسية أو الدينية.